| خلود شحادة |
“ما في دخان بلا نار”.. ولعلّ ما يحيط بالحكومة اليوم لم يعد مجرد دخانٍ عابر يمكن حجبه بتسوية أو امتصاصه ببيان. فحين تتراكم الاعتراضات من أكثر من جهة، ويتّسع هامش الغضب الشعبي، ويتحرك العسكريون والعاملون في القطاع العام، وتتقاطع الملفات الخلافية من الاتصالات إلى الطاقة والطاقة الشمسية، يصبح من الصعب التعامل مع المشهد وكأنه “حوادث منفصلة”.
ولأنّ “كتر الدق بفكّ اللحام”، ما يتراكم اليوم في وجه الحكومة بدأ يلامس صورتها السياسية وموقعها داخل المعادلة الحاكمة.
والأخطر أن كرة الأزمات لم تعد تتدحرج في الشارع وحده، بل بدأت تقترب من البيت السياسي نفسه.
لقاءات سياسية، واجتماعات أمنية، ومؤشرات متزايدة على حاجة الحكومة إلى إعادة شدّ حبالها السياسية.
وفي هذا السياق، يأتي توقيت الدعوة إلى جلسة مساءلة الحكومة في لحظة شديدة الحساسية، لا تبدو فيها المسألة مرتبطة فقط بحق مجلس النواب في ممارسة دوره الرقابي، بل تحمل في توقيتها ودلالاتها السياسية سلسلة إشارات إلى أن المظلة السياسية التي كانت تحمي الحكومة لم تعد بالصلابة نفسها التي كانت عليها عند تشكيلها.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن هذه الاعتراضات لا تبدو مرتبطة بملف واحد يمكن إقفاله بقرار أو تسوية. فكل ملف يفتح باباً على ملف آخر. وما زاد “الطين بلّة”، قرارات الحكومة التي تحفر لنفسها عبرها، والتي من المفترض أن تكون قرارات إصلاحية، إلا أنها تشهد “زحطات” كبرى بحق المواطنين والقطاعات العامة على اختلافها.
وفي موازاة ذلك، برزت في الأيام الأخيرة إشارات سياسية لافتة على مستوى الرئاسات، سواء من خلال ظهور رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى جانب رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي في زيارة التعزية لمفتي البقاع، أو زيارة ميقاتي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، خصوصاً أن ميقاتي يعتبر نفسه “الوريث الشرعي” لنواف سلام الذي كان “انتزع” منه رئاسة الحكومة في بداية العهد.
تتقاطع هذه التحركات، مع تحركات رئيس الجمهورية جوزاف عون، التي توحي بعملية “استثئار ماروني” بالسلطة، أي كأنه صاحب القرار المطلق في الدولة، وهذا ما يتعارض مع اتفاق الطائف، بل وأبعد من ذلك، فإنه قد يشكل “رفع غطاء” عن دور السلطة التنفيذية، إن أخطأت.
ولعل اجتماع القادة الأمنيين في بعبدا شكّل التتويج الأبرز لهذه المرحلة، ليصبح القرار الأمني في البلد في يد “القائد الأعلى للقوات المسلحة”، وليس بيد الحكومة!
أما بالعودة إلى جلسلة مساءلة الحكومة، فالجلسة لا تحمل فقط قيمة دستورية مرتبطة بممارسة المجلس النيابي دوره الرقابي، بل قد تتحول إلى اختبار سياسي فعلي لمدى تماسك الحكومة داخل المجلس النيابي. فالنواب الذين دعموا الحكومة أو وفروا لها الغطاء السياسي، كيف سيتصرفون مع “زحطات” الحكومة التي عملت على استكمال مسار الحكومات السابقة التي تعمد إلى تمويل موازناتها من جيوب المواطنين؟
طالما كان استمرار الحكومة لا يحمّل القوى السياسية الداعمة لها كلفة كبيرة، يمكن لهذه القوى أن تتمسك بها وتتجاوز الانتقادات. أما عندما يبدأ الشارع بالضغط، وتتحرك شرائح من القطاع العام، ويظهر العسكريون في المشهد، وتتراكم الاعتراضات على الخدمات والقرارات الحكومية، تصبح حماية الحكومة نفسها موضع حسابات سياسية، خصوصاً لدى نواب “التغيير” الذين يفترض أنهم يحملون “صوت الشارع”.
عندها، يبدأ النائب الداعم للحكومة بالنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: هل سيؤدي التصويت لصالح الحكومة إلى تحميله مسؤولية قرارات غير شعبية؟ وهل يستطيع الاستمرار في الدفاع عن أداء حكومي يواجه هذا الحجم من الاعتراضات؟ وهل أصبحت الحكومة عبئاً سياسياً على بعض مَن كانوا يشكلون سندها البرلماني؟
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي على الحكومة لا يكمن بالضرورة في أن تتخذ جلسة المساءلة قراراً فورياً بإسقاطها، بل في أن تكشف الجلسة حجم التصدعات داخل المظلة السياسية التي تستند إليها.
والاختبار المقبل لن يكون في الشارع فقط، بل داخل مجلس النواب أيضاً. فهناك، ستظهر للمرة الأولى بصورة أوضح حدود القدرة على حماية الحكومة سياسياً، وما إذا كان النواب الذين دعموها لا يزالون يرون أن مصلحتهم السياسية تكمن في استمرارها، أم أن حجم المخاطر بدأ يدفعهم إلى النأي بأنفسهم عنها.
وفي حال تحولت جلسة المساءلة إلى محطة لتسجيل الاعتراضات السياسية، لا إلى مناسبة لإعادة تثبيت الثقة بالحكومة، فإن الرسالة ستكون أبعد من نتيجة التصويت نفسها. إذ قد يعني ذلك أن الحكومة دخلت مرحلة مختلفة، مرحلة يصبح فيها بقاؤها بحاجة إلى معركة سياسية يومية، لا إلى غطاء تلقائي من القوى التي جاءت بها.


