الرئيسيةشريط الاحداثربع قرن على 11 أيلول: سقوط المسلّمات؟

ربع قرن على 11 أيلول: سقوط المسلّمات؟

في 11 أيلول 2001، لم يكن العالم يعرف أن الطائرات الأربع التي اخترقت سماء الولايات المتحدة سترسم، إلى جانب آلاف القتلى والدمار، مستقبل العالم سياسياً وعسكرياً. كانت نيويورك وواشنطن مسرح الحدث، لكن تداعياته سرعان ما انتقلت إلى أفغانستان والعراق، ثم إلى كامل المنطقة، لتبدأ مرحلة طويلة من الحروب وسقوط الأنظمة وتبدّل موازين القوى وصعود قوى إقليمية جديدة.

بعد 25 عاماً، المصطلحات نفسها والمبررات نفسها وإن اختلفت ظروفها. فالحرب لم تعد حرباً أميركية على تنظيم “القاعدة”، بل صراعاً مفتوحاً ضد كل من يزعج الطفل المدلل لأميركا، أي “إسرائيل”، فيدرج مباشرة على لائحة “الارهاب”، وتمتد تداعيات الحرب عليه من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن والخليج وإيران، فيما يجري في الوقت نفسه اختبار مستقبل الدول والتحالفات والحدود الأمنية في المنطقة.

لهذا، فإن استعادة 11 أيلول في عام 2026 لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة لصور الأبراج وهي تنهار، ولا لسرد تفاصيل الهجمات التي هزت العالم. الأهم هو العودة إلى ما أنتجه ذلك اليوم، وإلى المسار الذي فتحه، وصولاً إلى الشرق الأوسط الذي نراه الآن.

في صباح ذلك اليوم، اختُطفت أربع طائرات مدنية. اصطدمت اثنتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، واستهدفت الثالثة مبنى وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون”، فيما تحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا بعدما حاول ركابها السيطرة عليها. قُتل نحو ثلاثة آلاف شخص، ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام هجوم غير مسبوق على أراضيها، لكن الرد الأميركي كان أكبر بكثير من حدود العملية نفسها.

أطلقت واشنطن حينها مصطلح “الحرب على الإرهاب”، لتبرر من خلاله هجماتها على البلدان التي تطمع في ثرواتها، وافتتحت تلك الحقبة بحربها على أفغانستان بذريعة القضاء على تنظيم “القاعدة”، ونظام “طالبان” الذي كان يؤوي قيادته. وفي ذلك الوقت، بدا أن الهدف واضح ومحدّد: ملاحقة منفذي الهجمات وتفكيك الشبكة التي تقف خلفها. إلا أن الحرب سرعان ما تحولت إلى عقيدة سياسية وأمنية واسعة، امتدت إلى دول ومناطق لم تكن مرتبطة مباشرة بهجمات 11 أيلول.

في 2003، غزت الولايات المتحدة العراق وأسقطت نظام صدام حسين، رغم أن العراق لم يكن طرفاً في تنفيذ هجمات 11 أيلول. لكن المناخ السياسي الذي صنعته الهجمات و”الحرب على الإرهاب” ساهم في فتح الطريق أمام الغزو في سبيل نهب ثروات البلاد، مما أحدث واحداً من أكبر التحولات في موازين القوى في الشرق الأوسط الحديث.

لم يكن إسقاط النظام العراقي نهاية الأزمة، بل بدايته. انهارت مؤسسات الدولة والأمن، وفتح الفراغ الباب أمام صراعات سياسية وطائفية وتنظيمات مسلحة. ومع السنوات، لم تعد تداعيات الحرب محصورة داخل الأراضي العراقية، بل امتدت إلى سوريا ولبنان واليمن وسواها، وأصبحت المنطقة أمام شبكة جديدة من التحالفات.

وفي قلب هذه التحولات، ظهرت المفارقة التي طبعت ربع القرن التالي: الحرب التي بدأت تحت عنوان محاربة الإرهاب، ساهمت في إنتاج بيئات جديدة سمحت بصعود تنظيمات أكثر تطرفاً. من رحم الفوضى العراقية والسورية، ظهر تنظيم “داعش”، الذي تمكن من السيطرة على مساحات واسعة وإقامة ما أسماه “الخلافة”، قبل أن يتحول بدوره إلى هدف لتحالف دولي واسع.

عام 2011، هزّ “الربيع العربي” عدداً من الأنظمة، لكن النتائج لم تكن واحدة. في بعض الدول تغيرت الحكومات، وفي دول أخرى دخلت المنطقة في حروب أهلية وانقسامات عميقة. وفي سوريا تحديداً، تحولت الاحتجاجات إلى حرب طويلة دخلت إليها قوى إقليمية ودولية، فأصبحت البلاد ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا و”إسرائيل” وقوى محلية متعددة.

هكذا، تراكمت طبقات جديدة فوق النظام الذي بدأ بالتشكل بعد 11 أيلول، ثم جاء 7 تشرين الأول 2023 ليكشف أن هذا النظام نفسه لم يعد مستقراً، وبدأت معركة جديدة لتغيير وجه الشرق الأوسط من جديد، وتحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه عام 2001، بالهجمات المذكورة. وهذا ليس تكهناً، بل هو ما أعلنه صراحة وعلانية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

الحرب التي اندلعت في غزة لم تبقَ في غزة. خلال فترة قصيرة، أصبح لبنان جزءاً من المواجهة، ودخل الحوثيون على خط إسناد غزة عبر البحر الأحمر، وتعرضت القوات الأميركية في العراق وسوريا لهجمات، وبدأ العدوان الإسرائيلي يتوسع برقعته حتى طال إيران وكل لبنان، كما احتل مساحات واسعة سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، وانتقلت المعركة بين “اسرائيل” وايران الى حرب مباشرة على أرضها.

وفي لبنان تحديداً، لم تعد المسألة مجرد جبهة عسكرية على الحدود. الحرب أعادت إلى الواجهة أسئلة أكبر بكثير: مستقبل الجنوب، دور الجيش اللبناني، سلاح “حزب الله”، شكل الترتيبات الأمنية، وحدود قدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها السيادي، وأثرت المعادلات الاقليمية على كل مفاصل الدولة، وأهمها تركيبة السلطة اللبنانية الحالية، التي أفضت سياستها إلى اتفاق مباشر مع العدو الاسرائيلي وتقديم تنازلات عدة، رغم استمرار “إسرائيل” باحتلال جزء كبير من جنوب لبنان، وممارسة الاعتداءات المتكررة.

أما في غزة فطرحت أسئلة مشروعة: من سيحكم القطاع بعد الحرب؟ من سيعيد إعماره؟ كيف ستُدار حدوده؟ ماذا سيكون مصير العلاقة بين غزة والضفة الغربية؟ وهل تعود القضية الفلسطينية إلى مسار سياسي، أم يصبح القطاع جزءاً من واقع أمني مختلف تماماً؟

وفي سوريا، السؤال لا يقل أهمية. سقوط نظام بشار الأسد فتح الباب أمام مرحلة جديدة، لكنه لم ينهِ الصراع على سوريا. على العكس، أصبحت البلاد أمام تحدي إعادة بناء الدولة وسط تنافس إقليمي ودولي، فيما تحاول “إسرائيل” تثبيت ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب السوري.
أما إيران، فتقف في قلب التحول الأكبر.

الدولة التي بنت خلال العقدين الماضيين شبكة نفوذ واسعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تجد نفسها أمام محاولة جدية لإعادة رسم حدود هذا النفوذ. وما بدأ لسنوات كصراع غير مباشر بين إيران و”إسرائيل” والولايات المتحدة عبر الحلفاء والوكلاء، انتقل إلى مستوى أكثر مباشرة وخطورة.
إذا كان 11 أيلول قد دشّن مرحلة أميركية عنوانها “الحرب على الإرهاب”، فإن 2026 قد تكون السنة التي يجري فيها اختبار نتائج تلك المرحلة نفسها. الولايات المتحدة التي دخلت المنطقة عام 2001 لملاحقة تنظيم “إرهابي”، تجد نفسها بعد ربع قرن في مواجهة مباشرة مع إيران، إحدى أبرز القوى الإقليمية التي صعد نفوذها خلال السنوات التي تلت غزو العراق، ورغم كل محاولاتها لم تتمكن من اسقاط هذا النظام، رغم قتل قادته ورموزه.
وهذه واحدة من أكبر مفارقات ربع القرن الماضي.

فالولايات المتحدة دخلت العراق عام 2003 وأسقطت نظاماً كان يشكل حاجزاً أساسياً أمام النفوذ الإيراني، ثم وجدت نفسها بعد سنوات أمام إيران أكثر حضوراً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأكثر قدرة على التأثير في معادلات الإقليم، واليوم تبدو الحرب وكأنها تحاول معالجة هذا التغيير نفسه.
لكن المشكلة أن أي محاولة لإعادة رسم ميزان القوى لا تتوقف عند الطرف الذي تستهدفه. إذا تراجع النفوذ الإيراني، فماذا سيحدث للعراق؟ وماذا سيحدث لـ”حزب الله”؟ وماذا عن سوريا؟ وماذا عن الحوثيين؟ وماذا عن شكل العلاقة بين “إسرائيل” والدول العربية؟
هذه ليست أسئلة جانبية. إنها أسئلة النظام الإقليمي المقبل.

ومن هنا يعود الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد”، وهو تعبير ظهر في مراحل مختلفة خلال العقود الماضية، لكنه يكتسب اليوم معنى أكثر واقعية، لأن المنطقة لا تشهد حرباً واحدة، بل سلسلة متداخلة من الحروب والتحولات التي يمكن أن تنتج واقعاً مختلفاً عما كان قائماً قبل سنوات قليلة.
المختلف عام 2026، أن العدو الاسرائيلي اليوم واضح بأطماعه وقدم خريطة صريحة عن “إسرائيل الكبرى”، وأن سياسة الولايات المتحدة الأميركية لم تعد وجه الوحش خلف قناع الغزال، بل بات الرئيس الأميركي واضحاً جداً “نحن نغزو بلادكم، ونحتلكم لنسرق ثرواتكم”.
إلا أن ما اصطدمت به الولايات المتحدة وطفلها المدلل، أن لبنان رغم كل مآسيه وتشرذماته، ما زال صامداً بوجه رياح التغيير، مع كل خساراته على كل الصعد، إلا أن خيار المقاومة لم ينهَر بشكل دراماتيكي كما كان الاعتقاد.

وأن ايران صمدت، ولم تتفكك كما حصل في الدول العربية عقب “الربيع العربي”، وأن سوريا لم تأخذ قرار مواجهة “حزب الله” بنظامها الجديد، وهذا ما يعيق تنفيذ الخريطة الجديدة بشكل سريع.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية.

ففي 2001، بدأت الولايات المتحدة مشروعاً لإعادة تعريف الأمن العالمي بعد الهجمات. وفي السنوات التي تلت، أعادت الحرب تشكيل العراق، ثم ساهمت الفوضى والانقسامات في إنتاج بيئة إقليمية جديدة. هذه البيئة ساعدت إيران على توسيع نفوذها، وأنتجت تنظيمات مسلحة جديدة، وأدخلت روسيا وتركيا وقوى أخرى إلى قلب التوازنات الإقليمية.

واليوم، يجري الصراع على إعادة ترتيب النتائج التي تراكمت منذ ذلك الوقت.
من أيلول 2001 الى ايلول 2026، ومن تفجير الأبراج إلى تفجير علي الطاهر، تختلف الدعاية، إلا أن الواضح أن الفاعل واحد، وإن اختلفت تسمياته، وأن خلق الذرائع للحروب فازت به بقوة الولايات المتحدة الأميركية ومعها “إسرائيل”.
بعد 25 عاماً، يبدو أن المنطقة تقف أمام لحظة جديدة من إعادة تشكيل النظام الإقليمي. لكن هذه المرة، لا يتعلق الأمر فقط بإسقاط نظام أو احتلال دولة. الصراع يجري على النفوذ، وعلى شكل الدول، وعلى الحدود الأمنية، وعلى الممرات الاقتصادية والطاقة، وعلى من يملك قرار الحرب والسلام.
فإذا كان 11 أيلول قد فتح الباب أمام الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقدين الماضيين، فإن الحروب التي تجري اليوم قد تكون بصدد إغلاق تلك المرحلة وفتح مرحلة أخرى.
وإذا كانت نيويورك قد شهدت في 2001 لحظة سقوط مبنيين أمام العالم، فإن الشرق الأوسط في 2026 يشهد سقوط الكثير من المسلمات التي حكمت المنطقة لعقود.

شريط الأحداث