الرئيسيةشريط الاحداثالعدو يمحو نصف الأراضي الزراعية في الجنوب.. ما خطة دعم المزارعين؟

العدو يمحو نصف الأراضي الزراعية في الجنوب.. ما خطة دعم المزارعين؟

لم تعد الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في جنوب لبنان تقتصر على خسارة موسم أو تلف محصول، بل باتت تهدد جزءاً أساسياً من القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي اللبناني، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على الجنوب، وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم.

وبينما تحاول وزارة الزراعة الانتقال من مرحلة حصر الأضرار إلى مرحلة التعافي، لا يزال جزء كبير من الأراضي الزراعية في الجنوب والنبطية خارج قدرة أصحابها على الوصول إليها واستثمارها، لوقوعها تحت الإحتلال.

وفي هذا السياق، أطلع وزير الزراعة نزار هاني رئيس الجمهورية جوزف عون على حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في الجنوب، كاشفاً أن الأضرار المباشرة طالت نحو 22.5 في المئة من مجمل الأراضي الزراعية في لبنان، أي ما يقارب 56 ألف هكتار، بينها نحو 52 ألف هكتار في محافظتي الجنوب والنبطية. وتقدّر وزارة الزراعة، وفق تحديثات الدراسات الفنية، إجمالي الخسائر والأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي بأكثر من مليار دولار.

لكن حجم المشكلة لا يقاس فقط بمساحة الأراضي التي تعرضت للدمار. فبحسب معطيات عرضها هاني في وقت سابق، تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في محافظتي الجنوب والنبطية نحو 72,823 هكتاراً، أصبح أكثر من نصفها، أي نحو 38,281 هكتاراً، غير متاح للمزارعين نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية. كما تضرر نحو 77 في المئة من الأراضي الزراعية في المحافظتين، سواء نتيجة الأضرار المباشرة أو نتيجة تعذر الوصول إليها والعناية بها بسبب إحتلالها من قبل العدو الإسرائيلي، ما أدى إلى خسائر إضافية في الإنتاج.

وتتجاوز تداعيات الأزمة المحاصيل الموسمية، إذ طالت أيضاً الأشجار والمحاصيل المعمّرة، ومنها الزيتون والحمضيات والموز والكروم. وهذه الخسائر تحديداً لا يمكن تعويضها في موسم واحد، لأن إعادة الأشجار والأراضي إلى قدرتها الإنتاجية تحتاج إلى سنوات من إعادة التأهيل والاستصلاح والدعم المستمر للمزارعين. كما طالت الأضرار البيوت البلاستيكية وشبكات الري والمنشآت الزراعية وقطاعات تربية النحل والماشية والدواجن.

وخلال اللقاء في قصر بعبدا، بحث هاني مع الرئيس عون الإجراءات المطلوبة لمساعدة المزارعين المتضررين، وتأمين وصولهم إلى أراضيهم، إضافة إلى تأمين التمويل اللازم لمعالجة الأضرار ودعم تصدير المنتجات الزراعية. وكان من أبرز الملفات المطروحة تأمين الأذونات اللازمة لمزارعي الزيتون، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، حتى يتمكنوا من الوصول إلى بساتينهم وقطف محاصيلهم قبل خسارة الموسم.

ولا تتوقف التحديات عند الوصول إلى الأرض، إذ تواجه المحاصيل اللبنانية أيضاً معركة التصريف والأسواق. وفي هذا الإطار، تعمل وزارة الزراعة على تسهيل تسويق الإنتاج، ولا سيما التفاح والعنب، بالتوازي مع الاستفادة من فتح السوق السعودية والخط البري باتجاه دول الخليج. وأعلن هاني أن لبنان يصدّر حالياً نحو ألفي طن من المنتجات الزراعية يومياً، مع استمرار العمل على زيادة الكميات وفتح أسواق إضافية أمام الإنتاج اللبناني.

وفي موازاة ذلك، تعمل الوزارة على برامج للتعافي الزراعي بالشراكة مع الجهات الدولية، من بينها مشروع مع البنك الدولي بقيمة تقارب 40 مليون دولار لمعالجة تداعيات الأضرار ودعم القطاع، إضافة إلى العمل على تأمين مساعدات نقدية أولية للمزارعين المتضررين تتراوح قيمتها بين 6 و7 ملايين دولار.

وتأتي هذه الخطط في وقت تؤكد فيه وزارة الزراعة أنها انتقلت من مرحلة تقييم الخسائر إلى تنفيذ برامج التعافي، مع إعطاء الأولوية لإعادة المزارعين إلى أراضيهم واستعادة القدرة الإنتاجية. وتشمل الخطط المعلنة إعادة تأهيل نحو 1500 بيت بلاستيكي، وتجهيز 50 بئراً زراعياً بالطاقة الشمسية ومضخات حديثة، إلى جانب مشاريع لتحسين إدارة الموارد المائية ودعم البنية الزراعية.

غير أن هذه الخطط تصطدم بعامل أساسي لا تملك وزارة الزراعة وحدها القدرة على معالجته وهو الأمن. فإعادة المزارع إلى أرضه لا تبدأ بالتمويل ولا بالشتول، بل بضمان قدرته على الوصول إليها والعمل فيها من دون أن تتحول كل زيارة إلى مخاطرة. ولذلك، يصبح تأمين الأذونات للمزارعين خطوة ضرورية، لكنها تبقى مرتبطة بالواقع الميداني وبقدرة الدولة على ضمان الوصول الآمن إلى الأراضي الواقعة في المناطق المتضررة.

وفي وقت تحاول فيه الوزارة إعادة إطلاق عجلة الإنتاج، يستمر المشهد الميداني في الجنوب بإضافة أضرار جديدة إلى ما تراكم خلال السنوات الماضية. وفي أحدث التطورات، أفادت تقارير ميدانية عن تفجير في بلدة ميس الجبل طال منشآت في البلدة، فيما تحدثت المعلومات المتداولة عن أضرار طالت معمل النفايات وعدداً من المنشآت والمصانع. ويأتي ذلك في بلدة سبق أن تعرضت منشآتها وبنيتها التحتية لأضرار واسعة بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر.

وهكذا، تبدو الزراعة الجنوبية أمام معادلة شديدة التعقيد، أرض متضررة، مزارع ممنوع أو عاجز عن الوصول إلى جزء منها، مواسم ضائعة، وبنية إنتاجية تحتاج إلى إعادة بناء، فيما لا يزال الواقع الأمني قادراً على إضافة أضرار جديدة في أي لحظة.

فالخسارة الزراعية في الجنوب لا تعني فقط خسارة محصول هذا العام، بل خسارة دخل لعائلات، وتعطيل دورة إنتاج، وتهديداً لقدرة مناطق كاملة على العودة إلى الحياة الاقتصادية. وإذا كانت إعادة الإعمار تبدأ بإعادة بناء الحجر، فإن إعادة بناء الجنوب الزراعي تبدأ بإعادة المزارع إلى أرضه، وتأمين قدرته على زراعتها وحصادها وتسويق إنتاجها. ومن دون ذلك، قد تبقى الأموال والمشاريع مجرد أرقام على الورق، فيما تبقى الأرض نفسها تنتظر من يستطيع العودة إليها.

شريط الأحداث