الرئيسيةSlider"ميني ريتز" لبناني لاسترداد 5 مليارات دولار؟

“ميني ريتز” لبناني لاسترداد 5 مليارات دولار؟

| محمد وهبة |

“ميني ريتز”.. عبارة يستخدمها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في بعض مجالسه، في إشارة إلى ما يسعى إلى تنفيذه قريباً لاسترداد نحو 5 مليارات دولار من ثلاثة مصادر رئيسية: الأموال التي صُرفت لتمويل دعم السلع، والقروض التي سُدّدت على سعر صرف أدنى من سعر صرف الليرة في السوق، والعمليات التي جرت بين مصرف لبنان وأصحاب المصارف وكبار المودعين.

هذه خلاصة معلومات أفصح عنها أكثر من مصدر، مشيرةً إلى أن ما شهده القضاء، وما يُتوقع أن يشهده في المرحلة المقبلة، سواء نتيجة عمليات التدقيق الداخلية التي يجريها مصرف لبنان أو نتيجة التدقيق الجنائي الذي جرى تلزيمه في آب الماضي، ويشمل عدداً من العمليات المرتبطة بعمليات دعم السلع والتحويلات المصرفية والتحويلات إلى القطاع العام، سيقود إلى فتح دعاوى وملفات قضائية مرتبطة بالمصارف وعمليات الدعم.

وتحيل عبارة “ميني ريتز” بوضوح إلى ما فعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عندما قرر استرداد مليارات الدولارات من أمراء ورجال أعمال ومتعهّدين وغيرهم، ممن كانت تربطهم علاقات وصفتها السلطات آنذاك بالمشبوهة مع الدولة السعودية. وقد قام ذلك المسار على افتراض أن هؤلاء استولوا على أموال الدولة، من دون أن يكون إثبات عمليات السرقة عبر مسار قضائي تقليدي مضموناً، فضلاً عن احتمال أن يؤدي فتح هذا النوع من الملفات إلى اضطرابات سياسية واقتصادية. فاستُبدل المسار القضائي التقليدي بمسار الاستدعاء والاحتجاز وفرض التسويات التي شملت استرداد مبالغ طائلة. وكان من أبرز من طاولتهم تلك الإجراءات رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري، الذي احتجزته السلطات السعودية في تشرين الثاني 2017.

لكن المقاربة التي يطرحها حاكم مصرف لبنان لاسترداد أموال مسروقة تختلف عن النموذج السعودي في أدواتها. فهي لا تقوم على الاستدعاءات والاحتجاز المباشر، بل على إعداد ملفات، وتقديم ادعاءات قضائية، وإجراء تدقيقات جنائية في مجموعة من الملفات والعمليات المالية. وبحسب التقديرات، يفترض أن يؤدي هذا المسار إلى دفع المدّعى عليهم أو المشتبه فيهم نحو تسويات تُسترد بموجبها الأموال، من دون أن تكون هناك نتائج قضائية فعلية. أي أن القضاء، في هذه المقاربة، سيكون أداة لفرض التسويات واسترداد المبالغ، وليس أداة للمحاسبة والمُساءلة.

ويقول بعض المطلّعين على نوايا الحاكم إنه بدأ فعلاً بهذا المسار من خلال الادّعاء على مسؤولين مصرفيين، بينهم سمير حنّا في بنك “عوده”، وعلاء الخواجة ومحمد الحريري في بنك “ميد”، إضافة إلى زبائن كبار، من بينهم رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي. وينقل أكثر من مصدر عن الحاكم أن فتح هذه الملفات جاء بطلب سعودي، في سياق رغبة الرياض في إغلاق الباب أمام كل من سعد الحريري ونجيب ميقاتي.

ويستند هؤلاء، في قراءتهم، إلى طبيعة الملفات التي فُتحت، والتي تفتقر إلى وضوح كامل بشأن طبيعة المخالفات التي يدّعي الحاكم أنها ارتُكبت في الملف الذي رفعه إلى القضاء. ويشير المطلّعون إلى أن ملفات أخرى قد تُفتح في المرحلة المقبلة، وقد تطال أصحاب مصارف أو شركاء أساسيين فيها، فضلاً عن زبائن كبار، في إطار مسار يراد منه الوصول إلى تسويات تتيح استرداد جزء من الأموال المسروقة في عمليات مشبوهة نُفّذت مع مصرف لبنان خلال ولاية رياض سلامة.

وقد أثارت هذه الحملة أسئلة كثيرة، ولا سيما لدى مطّلعين يؤكدون أن الملفات التي فُتحت حتى الآن لا تتضمن شوائب أو مخالفات قانونية واضحة، وهو ما قد يرتدّ سلباً على الحملة نفسها وعلى الوعود التي قدّمها سعيد لرئيس الجمهورية بشأن استرداد الأموال. وبحسب هؤلاء، تتضمن الملفات استنتاجات أكثر مما تتضمن أدلة دامغة. فرغم أن بعض جوانب هذه العمليات قد يكون صُمّم بهدف “تنفيع” هذه الشخصية أو تلك، إلا أن تنفيذها جرى استناداً إلى الصلاحيات التي يمنحها قانون النقد والتسليف لحاكم مصرف لبنان، ولا سيما المادة 70 التي تخوّله صلاحيات واسعة تحت عنواني “سلامة أوضاع القطاع المصرفي” و”سلامة النقد اللبناني”. لكن ذلك لا يعني، في المقابل، أن الملفات خالية من أي شبهة أو أن القضية برمتها بلا أساس. فثمة وقائع وشبهات يفترض أن تجيب عنها التحقيقات المالية.

المصدر الثاني الذي يتوقّع منه سعيد أن يكون دسماً من أجل استرداد مال عام مسروق، هو دعم السلع الأساسية وغيرها في الفترة التي تلت الانهيار المصرفي والنقدي. ليس واضحاً من أي فترة زمنية سيبدأ تطبيق الأمر، ولا سيما أن الدعم بدأ بالتعميم 530 بتاريخ 30 أيلول 2019 لتغطية الاستيراد بالعملات الأجنبية للسلع الأساسية بنسبة 100% مثل المشتقات النفطية والقمح والأدوية، ثم جرى تعديله وتوسيعه بالتعميم 561 في 8 حزيران 2020 لتحديد نسبة الدعم بـ 90% من فواتير استيراد المشتقات النفطية و85% من فواتير استيراد القمح والأدوية والمستلزمات الطبية وحليب الرضّع والمواد الطبية التي تدخل في صناعة الأدوية. لكن في 8/7/2020 صدر قرار بتوسيع الدعم ليشمل عدداً كبيراً من السلع وصدر بالتوازي التعميم 564 عن مصرف لبنان والقرار 87 عن وزارة الاقتصاد والتجارة. سمح الأول بمنح العملات الأجنبية من مصرف لبنان بسعر صرف 1507 ليرات وسطي للدولار لتغطية استيراد مستوردي ومصنّعي المواد الغذائية والمواد الأولية التي تدخل في الصناعات الغذائية والمُنتجات المخصّصة للبيع للمزارعين والمحدّدة في لائحة تصدرها وزارة الاقتصاد. وطلب قرار وزارة الاقتصاد من كل شركة ترغب في الاستفادة أن تتقدم بطلب مُسبق وحدّد الشروط والمستندات المطلوبة.

في المحصّلة، انتهى العمل بكل هذه التعميم وبلغت قيمة الدعم وفق التعميم الأخير المرتبط بوزارة الاقتصاد نحو 8.4 مليارات دولار بينما بلغت قيمة الدعم الإجمالية نحو 14 مليار دولار. فما هي حدود التعامل مع هذا الدعم، فضلاً عن صعوبة إثبات حصول السرقة ربطاً بتعدّد مصادر التسجيل وغياب الرقابة المتعلقة بالمخزون التي يمكن أن تُثبِت حصول سرقة للدعم. الاعتقاد الغالب أن سعيد سيستند إلى نتائج تقرير التدقيق الجنائي الذي طلبه في ما خصّ عمليات الدعم، لكن ليس واضحاً إذا كان التدقيق شاملاً لكل هذه الفترة أم لجزء منها فقط.

الجزء الأكثر وضوحاً في عملية الـ”ميني ريتز” التي سينفّذها كريم سعيد، هي تلك المتعلقة باسترداد الودائع من أولئك الذين سدّدوا قروضهم التجارية بـ “اللولار”، لكن على إثبات قيامهم بجرم سيكون أمراً صعباً. إنما هدف القيام بهذه العمليات صار واضحاً، وهو أنه سيطبّق عملية الـ”ميني ريتز” على طريقة محمد بن سلمان، من أجل التوصل إلى تسويات لاسترداد بعض من الأموال.

وهذا الأمر ينطبق على العمليات التي نفّذتها المصارف مع مصرف لبنان أو على عمليات دمج وبيع أسهم المصارف أو على قروض كبرى لكبار الزبائن… وهذا تحدٍّ سيكون كبيراً أمام الحاكم، فهو لو نفّذ بعضاً مما يعد به سيكون بمثابة “المخلّص” الذي لا يحتاج إلى صندوق النقد الدولي، بل سيكون بإمكانه القول إنه أجرى عملية تطهير على ميزانيات المصارف، حتى لو لم يشمل الأمر كل العمليات المشبوهة التي كان يقوم بها سلفه والقوى السياسية مع أصحاب المصارف. لكنّ المشكلة في لبنان، أن مراكز النفوذ هي من يتحكّم بالأمر، وأن المجال ضيّق جداً خارج إطار تركيبة الطوائف ورغبات النخبة السياسية الحاكمة. فهل يدرك الحاكم ذلك، للقول “ما خلّونا”، أم أنه ينوي فعلاً استعادة بعض مما سُرق؟

شريط الأحداث