| خلود شحادة |
لم يكن توجه السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، اليوم، تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، في توقيته أو في مضمونه. فاختيار المجلس منبرًا للحديث عن “مصلحة البيئة الشيعية” التي بات هو “الأخبر” فيها، والأعلم بـ”مصلحتها”، وعودة الأهالي إلى الجنوب، بالتزامن مع عدوان إسرائيلي متواصل، يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز حدود الرسالة الدبلوماسية المباشرة إلى ما تحمله من رسائل سياسية إلى جمهور “حزب الله” وبيئته.
قال عيسى بوضوح إن الولايات المتحدة تريد “مصلحة البيئة الشيعية”، وعودة الأهالي إلى الجنوب ومنازلهم، معلنًا في الوقت نفسه استعداد واشنطن للتفاوض مع “حزب الله” لصالح الدولة.
من على منبر المجلس الشيعي، عمل عيسى على “دقّ إسفين” داخل الطائفة نفسها، محاولة فصلها إلى قسمين، “حزب الله” وباقي الشيعة، على اعتبار أن “مشروع المقاومة” ضد الاحتلال الإسرائيلي “لا يمثل كل الطائفة”، وأن “أكثرية الطائفة” هو ضد “حزب الله”!
ما عبّر به عيسى، ليس جديداً، إذ سبق أن أوكلته عوكر إلى “أذرعها” في لبنان، الذي لطالما جهدوا لخلق حالة من التشرذم، والفتنة، داخل الطائفة الشيعية، وتحديداً بين “حزب الله” وحركة “أمل”، وهو ما حاربته قيادتا الطرفان، مؤكدين أن لـ”أمل” و”الحزب” مسار ومصير واحد.
وبعد فشل تلك “الأذرع”، قررت واشنطن تولّي المهمة بنفسها، مع تعديل بسيط بالمفهوم، ليس “أمل” و”حزب الله” بالشق السياسي، بل بالشق الاجتماعي بين فريق “حزب الله” وبين “البيئة”، بحسب رأيه.
لكن السؤال، كيف تقاس “المصلحة الشيعية” بحسب عيسى؟
هل تبدأ هذه المصلحة من وقف الاعتداءات الإسرائيلية التي تمنع أهالي الجنوب من العودة إلى منازلهم، أم من الضغط على “حزب الله” وتسليم سلاحه، والعودة “ع الله”؟!
أم أن “مصلحة” الطائفة الشيعية، التي يعرفها عيسى أكثر من الشيعة أنفسهم، هي انقلابهم على “حزب الله” والوقوف إلى جانب “إسرائيل” التي تقتل أهلهم كل يوم وتدمّر أرزاقهم وتحتل قراهم؟!
ولم تتوقف المسألة هنا، بل تجاوزها عيسى بمعرفة مصلحة الطائفة الشيعية، وكأن “إسرائيل” تقتلهم لـ”مصلحتهم”.
وعند إجابته عن سؤال حول العدوان الإسرائيلي على مدينة النبطية، والذي أدى إلى سقوط شهداء بينهم أطفال ونساء ورضيع، وهذا ما حرص المراسل على ذكره، إلا أنّ عيسى، وبكل “صراحة” اعتبر أن سيل دماء الأطفال “حق مشروع” لـ”إسرائيل” للدفاع عن نفسها.
برّأ عيسى علانية، وبكل وضوح وجرأة، “إسرائيل”، معتبرها “ضحية اعتداء” أول قام به “حزب الله”.
ربما غاب عن بال السفير الأميركي أن المقاومة لم تطلق رصاصة واحدة منذ مدة طويلة باتجاه المستوطنات، وأن العمليات التي تزعم “إسرائيل” حصولها، لم تتبناها المقاومة أصلاً، ولو أنها تحصل داخل القرى المحتلة، وهو حق يكفل القانون العالمي.
الخطاب الأميركي المبرر لـ”إسرائيل” ليس جديداً، سبق أن سأل عيسى علناً: “لماذا نطلب من إسرائيل فعل كل شيء؟”!
فأي عودة يريدها السفير الأميركي؟
هل هو يؤمّن “قوت إسرائيل” من الدم المسفوك بعودة الجنوبيين إلى قراهم، لتأمين بنك أهداف جديد لها؟
المسألة الأكثر إثارة للجدل هي أن الخطاب الأميركي، وفق هذا المسار، يبدو وكأنه يعيد إنتاج جزء أساسي من الرواية الإسرائيلية: “حزب الله هو المشكلة الأولى، ونزع سلاحه هو المدخل الضروري قبل أن يأتي الدور على إسرائيل”.
وهنا لا يعود الأمر مجرد نقل لموقف دبلوماسي أميركي، بل يصبح سؤالًا سياسيًا حول حدود التقاطع بين واشنطن وتل أبيب في مقاربة الملف اللبناني.
فعندما يُقال للبنان، بصورة أو بأخرى، إن عليه أولًا معالجة ملف سلاح “حزب الله” تحت هدير الطائرات، فإن ذلك يضع المسؤولية عن الوصول إلى التهدئة على الجانب اللبناني بصورة أكبر مما يضعها على الجانب المعتدي ميدانيًا.
وفي الوقت نفسه، يضع هذا الخطاب الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد.
فالدولة تسعى إلى تثبيت دورها في التفاوض، وتعتبر أن أميركا هي الراعي الدولي للسلام في لبنان، يظهر التناقض الحقيقي.
رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ندّدا بالاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب، معتبرين أن هذه الاعتداءات تقوّض مسار السلام، في الوقت الذي تعتبر الولايات المتحدة الأميركية أن “القصف الإسرائيلي” ممر إلزامي نحو السلام المزعوم.
وهنا ربما تكمن النقطة الأكثر حساسية، فحتى الآن، لا تبدو الأولوية الأميركية، في تصريحات السفير، منصبة على إعلان ضغط واضح ومباشر لوقف الاعتداءات الإسرائيلية بقدر تركيزها على ضرورة تسليم “حزب الله” سلاحه.
يبدو أن التصعيد الإسرائيلي، الذي يزعم العدو أنه نتيجة تفخيخ مسيرة، وتفجير منزل، واضعاً الحجج والذرائع، يأتي ممهداً للخطاب الأميركي، وهو ضغط عسكري ـ سياسي على البيئة الشيعية، إما الإبادة أو الاستسلام!


