الرئيسيةشريط الاحداثماذا كشفت حرب أميركا على إيران؟

ماذا كشفت حرب أميركا على إيران؟

عندما شنت الولايات المتحدة، بمشاركة كيان الاحتلال الإسرائيلي، حرباً ضد إيران في نهاية شباط/ فبراير، كان الرأي السائد أن الجيش والنظام الإيرانيين لن يكونا قادرين على تحمل حرب طويلة تعتمد على التكنولوجيا التي تفضلها أميركا.
وبفضل الذكاء الاصطناعي والذخائر الذكية ومنصات مثل حاملات الطائرات والطائرات الشبحية، افترض كثير من المراقبين أن الولايات المتحدة قادرة على إجبار إيران على الرضوخ لمطالبها، مع تداعيات داخلية محدودة نسبيا.

وفي هذا الإطار، حددت جاكلين شنايدر، الزميلة في “معهد هوفر” التابع لجامعة ستانفورد، في مقال نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، بعض النتائج التي يمكن أن تشير إلى أن هذا النمط الأميركي من الحرب لم يعد مجدياً، ومنها عدم تحقيق نصر حاسم، وانحراف الصراع نحو مناورات بناء الدولة أو حرب عصابات، إلى جانب تكاليف اقتصادية باهظة.

وبعد مرور الأشهر الأولى، ترى شنايدر أن الولايات المتحدة سيطرت، من الناحية العملية، على هذه المرحلة، إذ نفذت أكثر من 13 ألف غارة، ودمرت القوات الجوية الإيرانية وجزءاً كبيراً من البحرية الإيرانية، واغتالت المرشد الأعلى وعدداً كبيراً من قيادة “الحرس الثوري”، وفرضت حصاراً على الموانئ.
ولم تتوقف الأضرار عند الجانب العسكري، فقد دمرت الحرب الاقتصاد الإيراني، مع آثار فورية على التضخم وندرة الموارد، فيما قدرت تكاليف إعادة الإعمار بنحو 200 مليار دولار إلى 300 مليار دولار.

أضرار ضخمة ومليارات لإعادة بناء الترسانة

ورغم هذا النجاح العملياتي، لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق نصر حاسم، فيما سيطر المتشددون في إيران على السلطة، ولا يزال مصير برنامجها النووي غير معروف، رغم احتمال تضرره جراء الضربات الأميركية الإسرائيلية.

كما تعثرت المفاوضات الرامية إلى إنهاء الأعمال العدائية، وواصلت إيران شن هجمات صاروخية على القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة، في حين لا تزال الملاحة عبر مضيق هرمز، والآن البحر الأحمر، معرضة للخطر.

وترى شنايدر أن النجاح الاستراتيجي الأميركي ليس واضحاً، رغم أن التكلفة العملياتية أسهل في الحساب؛ فقد سقط 18 قتيلاً وأصيب 624 شخصاً على الأقل. وهذا العدد أقل بكثير من الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة في الصراعات البرية في العراق وأفغانستان وفيتنام، لكنه أكبر بكثير من آخر معركة جوية رئيسية خاضتها الولايات المتحدة في البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي.

وخلال الحرب، فقدت الولايات المتحدة أو تضررت 42 طائرة، من بينها أربع طائرات من طراز إف-15، وطائرة إف-35، وطائرة إي-3، وأكثر من 20 طائرة من طراز ريبر. وبالمقارنة، لم تفقد الولايات المتحدة سوى طائرة إف-16 واحدة وطائرتين من طراز بريداتور خلال عامين من الصراع الجوي في البلقان.

ولم تقتصر فاتورة الحرب على الخسائر البشرية والعسكرية، إذ كلفت العمليات في إيران البنتاغون 37.5 مليار دولار، بالإضافة إلى 67 مليار دولار أخرى لإعادة بناء المخزون الذي وصل إلى مستويات منخفضة بشكل خطير، فضلا عن احتمال إنفاق 5 مليارات دولار أخرى لإصلاح المنشآت المتضررة في المنطقة.

وقدّر كبير الاقتصاديين في مؤسسة “موديز أناليتكس” أن “الأسرة الأميركية العادية ستدفع 1000 دولار بسبب الحرب”، إما كضرائب لدعم الإنفاق العسكري أو في صورة ارتفاع أسعار الوقود.

حرب مكلفة لا تثير غضبًا شعبياً واسعاً

وبكل المقاييس، تعد إيران مثالاً فاشلاً للنهج الأميركي في الحرب. ومع ذلك، لا يتحدد النجاح في المقام الأول بنتائج ساحة المعركة، بل بقدرة الحروب طويلة المدى عالية التقنية على حماية صانعي القرار من غضب الشعب الأميركي.

وقد تجعل نتائج ساحة المعركة الحروب أكثر شعبية لدى الأميركيين، لكن ذلك لا يحدث دائماً. فقد أظهر هجوم تيت خلال حرب فيتنام كيف يمكن للولايات المتحدة دحر الفيتكونغ، ومع ذلك خسارة الدعم الأميركي.

وفي المقابل، لم تثر الحرب الكورية سوى القليل من الغضب الشعبي، حتى مع وفاة آلاف من العاملين والجنود في الجيش الأميركي، وهو مثال على كيف يمكن للأميركيين أن يصبحوا غير مبالين بالخسارة، بل وحتى غير مبالين، في مواجهة الفشل.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الأميركيين لا يوافقون على الحرب مع إيران، حتى مع ارتفاع هذه النسبة بين مؤيدي دونالد ترامب.

ومع ذلك، لم تؤد الحرب حتى الآن سوى إلى اضطرابات شعبية طفيفة، فلم تشهد البلاد احتجاجات جماهيرية أو استقالات جماعية من داخل الجيش.

كما لم تحظ وفاة طيار مروحية تابعة للبحرية في بحر العرب باهتمام يذكر من الرأي العام. وعلى الرغم من بعض الانخفاضات، يشهد سوق الأسهم ازدهاراً، كما انخفضت أسعار النفط.

التكنولوجيا العسكرية أمام تحدي الكلفة والمرونة

وفي الوقت نفسه، لا تزال ميزانية الجيش الأميركي تعتمد بشكل أساسي على الذخائر الدقيقة باهظة الثمن التي تُلقى بواسطة المدمرات والطائرات الشبحية، وهي منظومات يصعب توسيع نطاقها أو تكييفها بسرعة.

كما تركز الأنظمة غير المأهولة على تقليل الخسائر في الأفراد، بدلا من خفض التكاليف أو ابتكار مهام جديدة، في حين لا تزال القاعدة الصناعية تشجع على برامج الأسلحة الضخمة والجامدة.

ومن هنا، ترى شنايدر أن الاختبار الحقيقي قد يأتي في تشرين الثاني/نوفمبر، عندما تكشف انتخابات التجديد النصفي ما إذا كان الرأي العام سيعاقب الجمهوريين على بدء الصراع.

وفي غياب هذه العقوبة، من المستبعد جدا أن يغير الكونغرس أو البيت الأبيض طريقة استخدامهما للجيش الأميركي.

سيترك ذلك الأمر لقدامى المحاربين في هذه الحرب لبناء عقائد ونظريات جديدة للنصر، وتطوير القوى العاملة وأنظمة الأسلحة.

وتمكن قدامى محاربي فيتنام من إحداث تغيير جذري في الجيش الأميركي، من خلال إنشاء قوة المتطوعين بالكامل وتغيير النظرية الأميركية للنصر، ويعود ذلك جزئياً إلى اعتقادهم بأن الرأي العام مستعد لمحاسبة صناع القرار، لكن من غير الواضح اليوم ما إذا كان المواطن الأميركي العادي يهتم بهذا الأمر أصلاً.

شريط الأحداث