الرئيسيةسياسةرسائل سياسية للجلسات النيابية

رسائل سياسية للجلسات النيابية

| جوني منيّر |

على رغم من الأوضاع الدقيقة والصعبة في جنوب لبنان، وتزايد مؤشرات التحضيرات الإسرائيلية لتنفيذ عملية عسكرية تستهدف تلة علي الطاهر عندما تحين الظروف السياسية الملائمة، إلّا أنّ النزاعات والمواجهات التي شهدتها جلسات مجلس النواب أخذت حيزاً واسعاً من الإهتمام. والسؤال الذي تردّد في الكواليس السياسية، حول ما إذا كان هذا المشهد حمل في طياته رسائل  سياسية عابرة للحدود، أم أنّه ينحصر في إطار المناكفات الداخلية التي تتميز بها الحياة السياسية اللبنانية، ولو أنّها تجاوزت في بعض الأحيان الحدود المعروفة، ربما بسبب تشابك الأدوار والسأم من السلوك السياسي الرتيب القائم منذ فترة؟

صحيحٌ أنّ الجلسات تناولت ملفات شديدة الحساسية، مثل إلغاء عقوبة الإعدام، قانون الإعلام، والعفو العام، وشهدت توترات وسجالات حادة، قبل أن يقرّ المجلس أمس قانون العفو العام، لكن هنالك من عمل على البحث عن الخيوط المخفية وسط هذه الجلبة القائمة، حيث أنّه لطالما شكّل مجلس النواب اللبناني الساحة المناسبة لإمرار الرسائل المرمزة.

ويرى هؤلاء، أنّ ما جرى في جلستي مجلس النواب خلال اليومين الماضيين يتجاوز كونه مشادات مرتبطة بقانون العفو العام أو ببنود تشريعية محدّدة. المشهد يحمل دلالات سياسية، لكن من دون أن يعني ذلك أنّ «الخريطة السياسية» تبدّلت جذرياً؛ الأصح أنّه يكشف إعادة تموضع داخل الخريطة القائمة.

المشهد الذي ظهر في المجلس يقول، إنّ القوى السياسية بدأت تخوض معاركها بنحو أكثر مباشرة وعلنية داخل المؤسسات الدستورية. وهذا مهمّ جداً. في المرحلة السابقة كان الانقسام الأساسي يدور حول السلاح، إسرائيل، الموقف من الحكومة، والعلاقة بالخارج. أما الآن فبدأنا نرى انعكاس هذه الخلافات على تركيبة السلطة نفسها، وعلى مَن يملك القرار داخل الدولة.

بمعنى آخر: المعركة لم تعد فقط «معارضة وموالاة»، بل أصبحت أيضاً: مَن يقود الدولة، ومَن يحدّد إتجاهاتها، ومَن يمتلك القدرة على فرض أجندته. والتوتر الذي ظهر بين سلام ووزير الدفاع ميشال منسى خلال الجلسة، مؤشر إلى أنّ هناك أيضاً حدوداً داخل السلطة التنفيذية نفسها يجري اختبارها.

لذلك، هنالك من قرأ ما جرى باعتباره اختبار قوة مبكراً لنواف سلام، وليس مجرد خلاف على مادة قانونية. وإحدى أهم رسائل اليومين موجّهة إلى رئيس الحكومة نواف سلام. فهناك قوى بدأت تقول له، بصورة أكثر وضوحاً: لا يمكنك أن تتحوّل من رئيس حكومة إلى مركز قيادة سياسية عابر للتوازنات الطائفية والحزبية من دون مقاومة.

ولكن السؤال، هل إنّ «تشدّد» سلام وتعابيره الحادة، والتي وصلت إلى حدود اتهام الوزير بوضع «الجيش بمواجهة السنّة» كانت حساباتها داخلية بحتة، وبالتالي جاءت رداً متأخّراً على حادثة الروشة، أم أنّ هنالك حسابات أخرى مخفية؟ فالموقف الحاد لسلام خلال الجلسة الأولى كان يمكن إيجاد مخرج له في جلسة اليوم التالي، خصوصاً أنّ رسالة سلام الإعتراضية حصلت، وهو ما توقّعه الكثير من المراقبين. لكن هذا لم يحصل، وهو ما فاجأ الجميع. لا بل إنّ وزير الدفاع، والذي حظي بدعم قوي ومباشر وعلني من قيادة الجيش، لم يجد مَن يناصره داخل المجلس النيابي سوى كتلتي «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». وهنا لا بدّ من فرز الخطوط المتعرّجة، وفصل الخيوط المتشابكة، وقراءة خلفيات المشهد بتأنٍ وروية.

وثمة من رأى وجود رسالة سياسية بإعادة ترتيب الإصطفافات على الساحة السنّية. فخلال مرحلة التحضير للإنتخابات النيابية، والتي جرى لاحقاً تأجيلها، بدا أنّ هذه الساحة تعاني فراغاً على مستوى قيادتها السياسية، ما يجعلها متمسكة برمزية الرئيس سعد الحريري. وساد اعتقاد على نطاق واسع بأنّ تأجيل الإنتخابات النيابية سيسمح بإعادة فتح هذا الملف بالعمق، بغية السعي لإحداث التغييرات المطلوبة. ولذلك، أوحى مشهد الجلسات النيابية، أنّ الساحة السنّية بدأت تدخل مرحلة إعادة تشكيل  سياسي. الرئيس نواف سلام يحاول، بحكم موقعه، أن يثبت نفسه كعنوان سياسي وليس فقط كرئيس حكومة. وفي المقابل، هناك قوى سنّية وسياسية أخرى لا تريد أن تترك له الساحة. وهذا يفسّر جزئياً ارتفاع النبرة السياسية في المجلس.

لذلك قد نكون أمام بداية انتقال من مرحلة كان فيها هناك ضبابية في المرجعيات السنّية، إلى محاولة كل طرف إنتاج مركز ثقل جديد. هذا، من دون إغفال أنّ العديد من النواب كان يخاطب شارعه الإنتخابي قبل أن يخاطب زملاؤه داخل المجلس. الصراخ، المواقف الحادة، الاعتراضات، وحتى اختيار الملفات التي يتمّ الاشتباك حولها، كلها أصبحت جزءاً من عملية إعادة تقديم الأحزاب أمام قواعدها.

في اختصار، لا يمكن إدراج الإشتباكات التي شهدتها جلسات المجلس النيابي في الإطار الكلاسيكي المعهود. فثمة ما هو أبعد، ويصل إلى حدود رسم «قواعد» نيابية جديدة. ويبقى الإشتباك الحاد الذي حصل بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع هو الواقعة الأهم. خصوصاً في ظل الدور المطلوب من الجيش جنوباً تجاه التركيبة العسكرية لـ«حزب الله»، وفي وقت تطالب إسرائيل وبدعم أميركي، بالتحرك لتفكيك منشأة «علي الطاهر» ومن بعدها كل أنفاق «حزب الله»، وكذلك تفتيش المنشآت السكنية، والتي تدّعي إسرائيل أنّها تحوي أسلحة ومداخل أنفاق لـ»حزب الله». وقد يصح السؤال هنا: هل إنّ رئيس الحكومة يريد تولّي ترجمة المسار الدولي والعربي إلى سياسة حكومية أكثر وضوحاً؟ ربما.

شريط الأحداث