| زينة أرزوني |
ليست التصريحات المتبادلة بين الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم والرئيس السوري أحمد الشرع مجرد مجاملات سياسية أو رسائل لخفض التوتر، فالمنطقة تعيش لحظة إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى، حيث تتراجع الاصطفافات الجامدة التي حكمت العقدين الماضيين، لتحل مكانها شبكة معقدة من التفاهمات البراغماتية التي تفرضها المصالح الوطنية وحسابات الأمن القومي.
الشرق الأوسط الذي تشكّل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يعد يشبه ما قبله. فالحرب المفتوحة مع “إسرائيل”، والضغوط الأميركية لإعادة هندسة الإقليم، والتحولات العميقة في سوريا، وتبدّل أولويات تركيا، ومحاولات واشنطن تقليص النفوذ الإيراني… كلها عوامل دفعت مختلف اللاعبين إلى مراجعة سياساتهم، ليس انطلاقاً من تبدّل القناعات، بل استجابةً لوقائع جديدة يصعب تجاهلها.
في هذا السياق، يصبح الانفتاح المتبادل بين “حزب الله” وسوريا الجديدة جزءاً من عملية إعادة تموضع إقليمية، لا يمكن فهمها من زاوية العلاقة الثنائية فقط، بل من خلال شبكة المصالح التي تربط سوريا ولبنان وتركيا وإيران، وحتى الولايات المتحدة، في مرحلة تتراجع فيها الحروب المفتوحة لمصلحة إدارة الصراعات عبر السياسة والتفاهمات الأمنية.
من التحالف إلى الواقعية
العلاقة التي جمعت “حزب الله” بالدولة السورية خلال العقود الماضية لم تكن مجرد علاقة بين طرفين متحالفين، بل كانت جزءاً من معادلة إقليمية متكاملة. فقد كانت سوريا تمثل العمق الجغرافي والسياسي للمقاومة، كما مثّل الحزب أحد أبرز حلفائها في مواجهة المشاريع الإسرائيلية والأميركية في المنطقة.
لكن سقوط النظام السابق لم يعنِ انتهاء الجغرافيا ولا تبدّل حقائق الأمن القومي. فسوريا بقيت الدولة الوحيدة التي تربط لبنان بعمقه العربي، وبقي استقرارها شرطاً أساسياً لاستقرار لبنان، تماماً كما بقيت “إسرائيل” تشكل التهديد الأول لكلا البلدين.
من هنا، فإن القراءة التي تعتبر أن إعلان الشيخ نعيم قاسم استعداده للقاء القيادة السورية يعكس حالة ضعف أو اضطرار، تبدو قراءة قاصرة، لأنها تتجاهل أن الحزب ينطلق من رؤية تعتبر أن العلاقة مع دمشق ليست خياراً سياسياً عابراً، بل مصلحة لبنانية وإقليمية دائمة، بغض النظر عن طبيعة السلطة القائمة في سوريا، لأن السياسات تتغير، أما الجغرافيا فلا تتغير.
وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من البيئة الشيعية أعرب عن امتعاضه من هذه الدعوة، ولا سيما أنهم خسروا عدداً كبيراً من أبنائهم خلال مشاركتهم في الحرب السورية، وتولدت لدى هؤلاء قناعة بأن خطاب الشيخ نعيم قاسم جاء نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية التي يتعرض لها الحزب بسبب الحرب، فإن هذا التفسير يُغفل عنصراً أساسياً يتعلق بطبيعة التفكير الاستراتيجي لدى الحزب.
يدرك “حزب الله” أن المنطقة تدخل مرحلة تسويات كبرى، وأن القوى التي تغيب عن طاولة الحوار غالباً ما تجد نفسها موضوعاً للتفاوض، لا شريكاً فيه.
من هنا، فإن فتح قنوات مع سوريا الجديدة، ومع أطراف إقليمية أخرى، مثل تركيا وقطر ومصر، لا يعكس تخلياً عن الثوابت، بل يعبّر عن محاولة لضمان حضور الحزب في أي ترتيبات مقبلة تخص مستقبل لبنان والمنطقة.
والمؤشرات المتوافرة تدل على أن الحزب لم يكتفِ بالانفتاح على دمشق، بل فتح خلال الأشهر الماضية خطوط تواصل مع عواصم عربية وإقليمية، كما جرت محاولات أميركية متكررة لاستكشاف إمكان فتح قنوات اتصال معه، سواء عبر وسطاء لبنانيين أو أطراف دولية، في إطار إدراك متزايد بأن تجاوز الحزب في أي معادلة لبنانية أو إقليمية يبقى أمراً بالغ الصعوبة.
دمشق أيضاً أعادت حساباتها
في المقابل، تبدو القيادة السورية الجديدة أكثر إدراكاً لطبيعة المرحلة.
فالسلطة التي يقودها الرئيس أحمد الشرع ورثت دولة خرجت من حرب طويلة، وتواجه تحديات اقتصادية وأمنية هائلة، وتحتاج إلى سنوات لاستكمال بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وإعادة تنشيط اقتصادها، وجذب الاستثمارات العربية والدولية.
لذلك، فإن أي انزلاق إلى مواجهة مع “حزب الله” لن يخدم المشروع السوري الجديد، بل سيعيد إنتاج حالة الاستنزاف التي تسعى دمشق إلى تجاوزها، وسيمنح “إسرائيل” فرصة ذهبية لتوسيع تدخلها العسكري والأمني داخل الأراضي السورية.
ولهذا السبب، لم تستجب دمشق للضغوط الأميركية والإسرائيلية التي طالبتها بلعب دور مباشر في مواجهة “حزب الله” داخل لبنان، بل اختارت سياسة مختلفة تقوم على تحييد سوريا عن أي صدام جديد، وفتح الباب أمام الحوار إذا كان يخدم مصالح البلدين.
وهذا الموقف لا يعكس تقارباً عقائدياً مع الحزب، بقدر ما يعبر عن قراءة واقعية تعتبر أن بناء الدولة يبدأ بإغلاق الجبهات، لا بفتحها.
تركيا.. لماذا تدفع نحو التقارب؟
العامل الأكثر إثارة في هذا المشهد يتمثل في الدور التركي، الذي بقي بعيداً عن الإعلام، لكنه تحول تدريجياً إلى أحد أهم عناصر إعادة تنظيم العلاقة بين دمشق و”حزب الله”.
تشير الوقائع إلى أن أنقرة رعت خلال الأشهر الماضية قنوات تواصل غير مباشرة بين الطرفين، بدأت أمنية وتقنية لمنع الاحتكاك على الحدود، ثم تطورت تدريجياً إلى تبادل رسائل سياسية، قبل أن تصل العلاقة إلى مرحلة الإعلان العلني عن الاستعداد للقاء.
وهنا “مربط الفرس”: لماذا بادرت تركيا أصلاً إلى فتح هذه القنوات؟
الإجابة تكمن في طبيعة المشروع التركي في سوريا.
فأنقرة، التي أصبحت الضامن الإقليمي الأبرز للاستقرار السوري، تدرك أن نجاح السلطة الجديدة في دمشق لا يتوقف على ضبط الداخل السوري فقط، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة إقليمية مستقرة، وفي مقدمتها الحدود مع لبنان.
ومن هنا، فإن أي مواجهة مباشرة بين دمشق و”حزب الله” ستقود إلى نتائج تتعارض مع المصالح التركية نفسها.
فهي ستعيد الفوضى إلى الداخل السوري، وتؤخر إعادة الإعمار، وتستنزف الدولة الجديدة، وتمنح “إسرائيل” مساحة أوسع للتحرك العسكري، وهو ما يتناقض مع المشروع التركي القائم على تثبيت الدولة السورية وتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.
كما تدرك أنقرة أن “حزب الله”، مهما تبدلت الظروف، يبقى لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية، وأن تجاهله أو محاولة عزله لن يؤديا إلا إلى مزيد من التعقيد، فيما يتيح الحوار تقليل احتمالات سوء التقدير، ويمنع تحول الحدود السورية – اللبنانية إلى ساحة اشتباك دائم.
لهذا، فإن الوساطة التركية لا تنطلق من تقاطع أيديولوجي مع “حزب الله”، بل من منطق إدارة المصالح، وهو المنطق نفسه الذي بات يحكم معظم السياسات الإقليمية في المرحلة الراهنة.
لماذا تجاوب الحزب؟
من جهته، لم ينظر “حزب الله” إلى الانفتاح التركي باعتباره انقلاباً في التحالفات، ولا تخلياً عن علاقته الاستراتيجية بإيران.
بل تعامل معه وفق قاعدة ثابتة في إدارة علاقاته الإقليمية، تقوم على أن الخلاف السياسي لا يمنع التعاون عندما تفرضه المصالح المشتركة.
فالحزب يدرك أن تركيا لاعب مؤثر في سوريا الجديدة، وأن أي تفاهم مع دمشق سيكون أكثر استقراراً إذا حظي بدعم أنقرة، خصوصاً أن تركيا تمتلك تأثيراً مباشراً في الملفات الأمنية والسياسية داخل سوريا.
كما يرى الحزب أن استقرار سوريا لا يصب فقط في مصلحة دمشق، بل يخدم لبنان أيضاً، لأن البديل سيكون الفوضى، والحدود المفتوحة، وعودة التنظيمات الإرهابية، وهي سيناريوهات لا تخدم سوى “إسرائيل”.
“إسرائيل”… الخاسر الأكبر
من زاوية أخرى، فإن أكثر الأطراف قلقاً من أي تفاهم بين دمشق و”حزب الله” هي “إسرائيل”.
فاستراتيجية “إسرائيل” خلال السنوات الماضية قامت على تعميق الانقسام بين القوى الإقليمية، وتحويل سوريا إلى ساحة استنزاف دائمة، وإبقاء العلاقة بين دمشق و”حزب الله” في حالة عداء أو قطيعة.
أما نجاح قنوات الحوار، حتى وإن بقي محدوداً، فيعني إغلاق واحدة من الثغرات التي كانت تراهن عليها “إسرائيل” لإعادة تشكيل البيئة الأمنية على حدودها الشمالية.
ولهذا، فإن “إسرائيل” تراقب بحذر أي تطور في هذه العلاقة، وإن كانت تدرك أن العودة إلى نموذج التحالف السابق لم تعد ممكنة، لأن سوريا الجديدة تتحرك وفق أولويات مختلفة، و”حزب الله” نفسه يتعامل مع المتغيرات بواقعية أكبر.
ليس تحالفاً… بل تفاهم الضرورة
الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن ما يجري اليوم هو محاولة لإحياء محور سياسي قديم. فالمرحلة الجديدة مختلفة بالكامل. سوريا تريد تثبيت الدولة واستعادة الاقتصاد. و”حزب الله” يريد حماية لبنان ومنع تحويل سوريا إلى منصة لاستهداف المقاومة. وتركيا تريد تثبيت الاستقرار الذي يضمن نجاح مشروعها في سوريا.
وحتى الدول العربية، رغم اختلاف مواقفها، لا تبدو راغبة في رؤية سوريا تعود إلى دوامة الحروب.
لذلك، فإن التقاطع الحالي ليس تقاطعاً أيديولوجياً، بل تقاطع مصالح، عنوانه منع الانفجار، وتثبيت الاستقرار، وقطع الطريق أمام أي محاولة إسرائيلية لاستثمار التناقضات السورية – اللبنانية.
هل يمكن أن تنقلب سوريا على “حزب الله”؟
هذا السؤال لا يمكن تجاهله في أي قراءة استراتيجية، فالقول إن دمشق لا تريد الصدام اليوم لا يعني أنها لن تذهب إليه إذا تبدلت الظروف.
إذا نجحت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، في بناء تحالف إقليمي جديد يربط الدعم الاقتصادي والسياسي لسوريا بدور أمني أكبر في لبنان، وإذا اقتنعت القيادة السورية بأن القضاء على البنية العسكرية لـ”حزب الله” يفتح أمامها أبواب الاعتراف الدولي، ورفع العقوبات، وتدفق الاستثمارات، فإن خياراتها قد تختلف جذرياً.
وفي هذا السيناريو، قد تجد دمشق نفسها أمام معادلة جديدة تعتبر أن المصلحة الوطنية السورية تقتضي الانخراط في مشروع إقليمي تقوده واشنطن ويحظى بدعم إسرائيلي وعربي.
ولا يمكن استبعاد هذا الاحتمال من الناحية النظرية، لأن الدول تعيد صياغة سياساتها وفق مصالحها، لا وفق تحالفاتها التاريخية.
لكن، في المقابل، فإن مثل هذا الخيار يحمل أثماناً باهظة.
أي تدخل عسكري سوري داخل لبنان، أو أي مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، قد يجر سوريا إلى حرب استنزاف طويلة، ويهدد استقرارها الداخلي، ويقوض مشروع إعادة بناء الدولة، وهو ما يجعل القيادة السورية أكثر ميلاً، حتى الآن، إلى الاحتواء بدلاً من المواجهة.
إشارات ميدانية لا يمكن تجاهلها
في هذا السياق، تراقب الأوساط السياسية والأمنية باهتمام جملة من التطورات الميدانية على الحدود اللبنانية – السورية.
ثمة تقارير إعلامية وسياسية تتحدث عن تنامي دور مجموعات عشائرية في المناطق الحدودية، وعن عمليات تسليح وتنظيم يجري تداولها في سياق التحسب لأي تطورات أمنية محتملة.
ورغم أن هذه الفرضية تُطرح في النقاشات السياسية والإعلامية باعتبارها أحد السيناريوهات المحتملة إذا شهدت المنطقة تحولاً كبيراً في موازين القوى، فإنها لا تزال تفتقر إلى معطيات حاسمة تؤكدها.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذه السيناريوهات يعكس حجم انعدام الثقة بين الأطراف، ويدفع “حزب الله” إلى التعامل مع الملف الحدودي باعتباره جزءاً من معادلة الأمن الاستراتيجي، لا مجرد قضية أمنية عابرة.
وبين هذه المشاريع المتعارضة، قد تبدو قنوات الحوار التي فُتحت بين “حزب الله” وسوريا، برعاية تركية ووسط متابعة إقليمية ودولية، محاولةً لتأجيل الصدام لا لإلغائه، ولإدارة مرحلة انتقالية معقدة قد تفضي إلى شراكة محدودة إذا استقرت المنطقة، أو قد تنهار إذا فرضت التحولات الكبرى على دمشق خيارات جديدة تختلف عن خياراتها الحالية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح هذا التقارب في بناء تفاهم طويل الأمد، أم أنه مجرد هدنة سياسية تسبق اختباراً إقليمياً أكبر؟


