لم يكن اختيار وجهة شهر العسل بالنسبة إلى “برلا وإيلي” قراراً سهلاً؛ فمنذ زواجهما أواخر عام 2025، بدأ العروسان التخطيط لعطلتهما الصيفية. ولم يقتصر البحث على مقارنة أسعار تذاكر السفر والفنادق أو اختيار الوجهة التي تناسب ميزانيتهما وتطلعاتهما فحسب، بل بدأ بسؤال أكثر تعقيداً: إلى أي بلد يستطيع اللبناني السفر أساساً؟
على مدى نحو ستة أشهر، تنقّل الثنائي بين عشرات الخيارات، واستبعدا وجهات عدة بسبب تعقيدات إجراءات التأشيرة ومواعيدها وكلفتها، قبل أن يستقرا في النهاية على سريلانكا. وجاء هذا الخيار ليس فقط لأنها بلد جميل يجمع بين الطبيعة الخلابة والإسترخاء وحب المغامرة، بل باعتبارها أيضاً من الدول التي تتيح للبنانيين الحصول على تأشيرة إلكترونية، ما يجعل السفر إليها أكثر سهولة وعملية.
هذه القصة تتكرر مع آلاف اللبنانيين في كل موسم صيف. ففي حين يبدأ معظم المسافرين حول العالم التخطيط لعطلتهم انطلاقاً من طبيعة الوجهة أو الميزانية المرصودة لها، يبدأ اللبناني رحلته من البحث في قيود جواز سفره نفسه، وما إذا كان يسمح له بدخول البلد الذي يحلم بزيارته أم لا.
واقع الأرقام: 55 وجهة فقط مسبقاً والتأشيرة شرط لـ 143 دولة
بحسب أحدث التصنيفات العالمية لعام 2026، يحتل جواز السفر اللبناني المرتبة 163 عالمياً، مع مؤشر تنقل (Mobility Score) يبلغ 55 نقطة. وهذا يعني أن المواطن اللبناني يستطيع الوصول إلى 55 وجهة فقط من دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة، أو عبر الحصول على تأشيرة عند الوصول أو تصريح سفر إلكتروني.
في المقابل، يفرض واقع الحال الحصول على تأشيرة مسبقة لدخول 143 دولة، من بينها معظم الوجهات الأكثر تفضيلاً للبنانيين، مثل الدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأميركية، وكندا، ودول الخليج العربي.
توزيع الوجهات والتسهيلات المتاحة
تتوزع الوجهات التي تتيح تسهيلات لحاملي الجواز اللبناني على الشكل التالي:
16 دولة وإقليماً من دون تأشيرة مسبقة: تشمل القائمة كل من: تركيا، جورجيا، ماليزيا، الأردن، سوريا، العراق، إيران، بربادوس، الإكوادور، هايتي، دومينيكا، رواندا، سورينام، ولايات ميكرونيزيا المتحدة، ماكاو، والأراضي الفلسطينية. وتُعد تركيا وجورجيا وماليزيا من أبرز الوجهات السياحية التي يقصدها اللبنانيون خلال العطل الصيفية، نظراً لسهولة الدخول إليها وعدم حاجتها لإجراءات معقدة.
35 دولة بتأشيرة إلكترونية (eVisa) أو عند الوصول: تتضمن وجهات سياحية معروفة مثل المالديف، عُمان، قطر، فيتنام، كوبا، أرمينيا، إضافة إلى عدد من الدول الأفريقية والآسيوية. وتختلف مدة الإقامة المسموح بها وشروط الدخول بحسب قوانين كل دولة، حيث تشترط بعض الوجهات إصدار التأشيرة إلكترونياً قبل موعد السفر.
4 دول عبر تصريح سفر إلكتروني (eTA): يمكن لحاملي الجواز اللبناني دخول أربع دول بعد الحصول على تصريح سفر إلكتروني وفق الإجراءات المعتمدة لدى كل منها، وهي: كينيا، سيشل، سريلانكا، وساحل العاج.
العقبة الكبرى: غالبية الوجهات تتطلب معاملة سفارات
على الجانب الآخر، تظل غالبية الوجهات العالمية المفضلة للسياحة أو الدراسة أو العمل محكومة بآلية التأشيرة المسبقة. ويتصدر هذه القائمة دول الاتحاد الأوروبي ومنطقة “شنغن”، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكندا، ومعظم دول الخليج العربي.
ويتطلب التخطيط للسفر إلى هذه الدول حجز مواعيد معقدة ومبكرة في السفارات أو مراكز التأشيرات، وتقديم ملفات متكاملة تتضمن إثباتات مالية ومستندات شتّى، فضلاً عن فترة الانتظار المقلقة لصدور قرار القبول أو الرفض.
مسار متراجع خلال العامين الأخيرين
شهد جواز السفر اللبناني تحسناً تدريجياً بعد فترة الإغلاقات التي رافقت جائحة كورونا، حيث سجل أفضل مستوياته في عام 2024 باحتلاله المرتبة 156 عالمياً، مع إمكانية الوصول إلى 60 وجهة من دون تأشيرة مسبقة أو عبر تسهيلات الدخول.
غير أن هذا التطور الايجابي سرعان ما انحسر؛ ففي عام 2025 تراجع الجواز إلى المرتبة 160 مع انخفاض مؤشر التنقل إلى 57، ليواصل تراجعه في عام 2026 حاطّاً عند المرتبة 163 بمؤشر تنقل لا يتعدى 55. وبذلك يكون الجواز اللبناني قد فقد خلال عامين إمكانية الوصول الميسر إلى خمس وجهات، وتراجع سبع مراتب كاملة على سلم التصنيف العالمي.
وفي وقت يستعد فيه ملايين الأشخاص حول العالم لحجز تذاكرهم والانطلاق في عطلاتهم الصيفية من دون التفكير كثيراً في المعاملات الإدارية، يجد اللبناني نفسه مضطراً للبدء من مضمار العقبات. فقبل حجز الفندق أو التفكير في طبيعة العطلة، يظل مرهوناً بحساب مواعيد السفارات ومتطلبات التأشيرة وحزم الأوراق، لتبقى قوة الجواز هي الحاكم الفعلي الذي يرسم حدود الأحلام قبل الإقلاع.


