الرئيسيةأمن و قضاءعندما تتحوّل العودة إلى فعل مقاومة

عندما تتحوّل العودة إلى فعل مقاومة

| نور محمود |

على الرغم من أن العودة إلى بلدة كفررمان لا تزال خجولةً ومحفوفةً بالمخاطر، بفعل موقعها القريب من «تلال الطهرة» المحتلة من العدو، والاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية عليها، فضلاً عن ما خلّفته الحرب من دمار واسع على منازلها وبنيتها التحتية، ما يؤدّي إلى منع الأهالي من الاستقرار بشكل الكامل، يعود أهالي القرية مدفوعين بقناعة راسخة مفادها أنّ «خسارة الأرض لا تبدأ بالاحتلال أو بالدمار، بل عندما يتخلّى أصحابها عنها».

تختصر أم علي سلامة هذه العلاقة الاستثنائية مع البلدة بعبارات بسيطة، وتقول: «جرّبنا الدمار والحروب، ولكن كفررمان مقاومة وسترجع أحلى مما كانت». ولا تتوقف أم علي عند الحديث عن البلدة بوصفها مكاناً، بل تربطها بالأرض التي صنعت الحياة لأهلها. وفي يوم عودتها الأول تشير إلى أنّها «نزلت إلى الحقل، وزرعت الملوخية»، مؤكدةً أنّها ومنذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار «تقوم بسقايتها، والاهتمام بها». وتصف أهل قريتها بأنّهم «متعلّقون بالأرض كثيراً، بالتراب والزراعة، فالبيوت عُمّرت حجارتها من التعب بالأرض، وهكذا نحن لا نتخلى عن أرضنا، ومهما طالت مدّة التهجير، نعود إلى كفررمان».

ولا يقف هذا التمسك بالأرض عند حدود الكلام، بل يترجم نفسه في قصص أبناء البلدة الذين قرّروا العودة على الرغم من الدمار الكبير. أبو محمد شكرون أحد هؤلاء، دُمّر منزله في غارة إسرائيلية قبل دقائق من إعلان هدنة، إلا أنّه يرى أنّ «العودة بحدّ ذاتها فعل صمود». ويقول: «أمام تضحيات الشهداء كل الخسائر بسيطة». واليوم أعاد شكرون فتح محلّه التجاري، معتبراً أنّ «الحركة التجارية ستعود قريباً إلى القرية، والبيت سيعاد إعماره، والعزيمة لا تُهزم».

في وسط البلدة، دمّرت غارة إسرائيلية صالوناً نسائياً لتصفيف الشعر، صاحبته إيناس غبريس التي لا ترى أنّ الدمار الذي أصاب مشروعها أنهاه، بل دفعها إلى البدء من جديد. تقول: «عندما عدت إلى القرية بعد الحرب افتتحت محلاً ثانياً، وهذا أول شيء قمت به لأننا لن نستسلم، ومهما عظمت الخسائر سنقف مجدّداً».

وفي مكان آخر من البلدة، تقف خسارة ميساء غبريس، الطبيبة النفسية، شاهدة على الوجه الاقتصادي والاجتماعي للحرب. فمعرضها ومكتبتها «نبض الجنوب»، اللذان شكّلا على مدى ثماني سنوات مقصداً للأهالي، ولا سيما مع كل موسم دراسي، لم ينجُوَا من الدمار. تصف غبريس ما جرى قائلةً: «لم يبق شيء في مكتبتي»، وتقدّر قيمة الخسائر في السلع وحدها بنحو 150 ألف دولار. ولكن ترفض غبريس أن تكون الخسارة نهاية المشروع، مؤكدةً أنّها بانتظار تحسّن الأوضاع الأمنية كي تعيد افتتاح مكتبتها.

هذه الشهادات ليست استثناءً في كفررمان، بل هي انعكاس لمزاج عام يسود البلدة. بين منزل يُعاد ترميمه، وحقل يعود إليه صاحبه، ومتجر يفتح أبوابه من جديد، تتجلّى إرادة جماعية ترى في العودة فعل مقاومة للحرب نفسها. بالنسبة إلى عدد كبير من أبناء كفررمان، لا تُقاس الهزيمة بحجم الدمار، بل بقدرة الحرب على انتزاع الإنسان من أرضه. فهم اختاروا البقاء حيث أراد لهم العدو أن يرحلوا.

شريط الأحداث