| إيهاب مرعي |
سحب مشروع قانون تمديد ولاية المجلس الإسلامي العلوي من جدول أعمال الهيئة العامة لمجلس النواب التي انعقدت الأربعاء والخميس الماضيين، وإحالته على اللجان المشتركة، لم يكونا مجرّد تأجيل تقني لاستحقاق تشريعي، بل شكّلا انتكاسة لمحاولة تكريس نهج التمديد داخل مؤسسات الطائفة، وفتح الباب مجدّداً أمام المطالبة بإجراء الانتخابات في موعدها عام 2027، وإعادة تفعيل القانون الرقم 449 الصادر عام 1995، الذي ينظّم شؤون المجلس، الذي تعيش مؤسساته في حالة شلل شبه كامل منذ تشرين الثاني 2023.
ويأتي هذا التطوّر بعدما أثار مشروع القانون اعتراضاً واسعاً داخل الطائفة، في ظل اعتباره محاولة لفرض تمديد مُقنّع لأعضاء المجلس الحاليين، وإطالة أمد واقع مؤسساتي يعاني أصلاً من الجمود واستبعاد الكفاءات.
ويقول معارضون إن المفارقة تكمن في أن الإدارة الحالية أعادت إنتاج ذهنية احتكار القرار، عبر تجميد الهيئة العامة للمجلس، التي تضم نحو 200 عضو من مختلف الاختصاصات والمواقع الاجتماعية، من قضاة ومحامين وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين ورؤساء بلديات ومخاتير وممثّلين عن الجمعيات، مقابل حصر القرار بمجموعة لا يتجاوز عددها 13 شخصاً، هم أعضاء الهيئتين الشرعية والتنفيذية، إضافة إلى النائبين الحاليين عن الطائفة (حيدر ناصر وأحمد رستم).
وبحسب هؤلاء، لم يؤدِّ هذا الواقع إلى تعطيل اللجان الاثنتي عشرة للمجلس فحسب، بل رافقه تكريس لسياسة التمديد الوظيفي حتى سنّ السبعين، وإجراء تعيينات داخل ملاك المجلس من دون إعلان أو منافسة، إذ جرى ملء 33 وظيفة بصورة استنسابية، تركّز معظمها ضمن عدد محدود من العائلات، في ما يُعدّ خروجاً على معايير الشفافية وتكافؤ الفرص.
ويستعيد معارضو التمديد سلسلة المحطات التي شهدها المجلس خلال السنوات الماضية، بدءاً من الانتخابات التي أُثيرت حولها اعتراضات قانونية عام 2007، مروراً بتمديد عام 2013 الذي استند إلى ذرائع أمنية انتفت لاحقاً، وصولاً إلى قانون التمديد الرقم 140 الصادر عام 2019، والذي أبطل المجلس الدستوري أربعاً من موادّه.
وفيما فضّل النائب أحمد رستم عدم الإدلاء بأي موقف بشأن مشروع التمديد، شدّد النائب حيدر ناصر، في حديثه لـ«الأخبار»، على موقفه الرافض للتمديد. وأشار إلى أن مشروع القانون لم يتقدّم به شخصياً ولا النائب قاسم هاشم، كما يُشاع، وإنما أحيل من مجلس الوزراء إلى لجنة الإدارة والعدل، حيث نوقشت التعديلات بحضور ممثّلين عن المجلس والهيئة العامة. وأضاف أنه حتى لو أُقرّ القانون، فإن ذلك لا يعني تمديد ولاية المجلس الحالي، باعتبار أن النص لا يسري بمفعول رجعي، ما يبقي الانتخابات قائمة في موعدها العام المقبل، على أن يستفيد الفائزون فقط من أحكام رفع سنّ الولاية إلى السبعين.
وفي ما يتعلق بتحوّل عدد من أعضاء الهيئتين الشرعية والتنفيذية إلى موظفين في المجلس، اعتبر ناصر أن هذا الواقع يشكّل تضارباً واضحاً في المصالح، إذ لا يمكن لهيئة تملك صلاحية انتخاب رئيس المجلس أو عزله أن تكون، في الوقت نفسه، خاضعة له إدارياً ووظيفياً. كما وجّه عتباً إلى أعضاء الهيئة العامة الذين «لم يمارسوا الدور المطلوب منهم في تصويب أداء المجلس».
من جهته، كشف المحامي محمد ناصر، الذي مثّل الهيئة العامة أمام لجنة الإدارة والعدل خلال مناقشة تعديل القانون، أن اللجنة، برئاسة النائب جورج عدوان، توصّلت بعد المداولات إلى توافق مع ممثّلي المجلس على الصيغة النهائية للتعديلات، قبل أن «نُفاجأ لاحقاً بإدخال تعديلات على المحضر لم تكن موضع اتفاق».
وأوضح أن أبرز ما أُضيف هو نص يمنح القانون مفعولاً رجعياً، بما يؤدّي عملياً إلى تمديد ولاية المجلس الحالي حتى بلوغ أعضائه سنّ السبعين. وأضاف أنه وجّه كتاباً إلى رئيس لجنة الإدارة والعدل وإلى مقرّرها النائب مروان حمادة، كما قدّم مراجعة إلى المدير العام لمجلس النواب، مؤكداً أنه تلقّى وعداً بإعادة تصحيح ما أُدخل من تعديلات.
إشكالية «الموظّفين الأعضاء»
يُعدّ الجمع بين عضوية الهيئتين الشرعية والتنفيذية والوظيفة داخل المجلس الإسلامي العلوي من أكثر الملفات إثارة للجدل. فالعضو الذي يُفترض أن يشارك في رسم سياسات المجلس ومراقبة حسن إدارته، يتحوّل بعد انتخابه إلى موظف يخضع إدارياً لرئيس المجلس ورؤساء المصالح، ويتقاضى راتباً وامتيازات، ما يجعل استقلاليته موضع تساؤل.
وبحسب مُعطيات حصلت عليها «الأخبار»، فإن معظم أعضاء الهيئة الشرعية عُيِّنوا موظّفين في المجلس بعد انتخابهم، فيما عمد بعض أعضاء الهيئة التنفيذية إلى توظيف أقارب لهم، باستثناء عضو تنفيذي واحد كان يعمل في المجلس قبل انتخابه. وتضيف المصادر أن أحد أعضاء الهيئة الشرعية الستة يقيم خارج لبنان منذ أكثر من عام بحجة انتدابه إلى وظيفة أخرى، ما يثير تساؤلات حول كيفية مشاركته في اجتماعات الهيئة وآلية التصويت على قراراتها.
ؤكد المحامي ناصر أن هذه الحالة تمثّل نموذجاً واضحاً لتضارب المصالح، مشيراً إلى وجود رأي صادر عن مجلس شورى الدولة يمنع الجمع بين عضوية هيئة المجلس والوظيفة فيه. وأوضح أن خمسة من أصل ستة أعضاء في الهيئة الشرعية (الشيخ آصف العلي، الشيخ حامد زغبور، الشيخ محمد العلي، الشيخ علي درويش، والشيخ علي حامد عبده) هم موظفون في المجلس، إضافة إلى عضو في الهيئة التنفيذية (نضال المحمد). وبذلك، فإن ستة من أصل 11 عضواً في الهيئتين «لا يحق لهم قانوناً المشاركة في انتخاب رئيس المجلس ونائبه». ويكشف أن مراجعة قانونية بهذا الخصوص قُدّمت أمام هيئة القضايا، ولا تزال ضمن المهل القانونية من دون أن يُبتّ فيها حتى الآن.
معارضة داخل الهيئة العامة
تاريخياً، حُرمت الطائفة الإسلامية العلوية من حقوقها المؤسساتية، ولا سيما إنشاء محاكمها الشرعية وتعيين مفتين لها في بيروت وطرابلس وعكار، بفعل التجاذبات السياسية. ويعتبر قسم واسع من أعضاء الهيئة العامة أن التعديلات المطروحة لا تتجه نحو استكمال هذه الحقوق، بقدر ما تهدف إلى تكريس الأمر الواقع وتحصين الإدارة الحالية.
وفي هذا السياق، يؤكّد عضو الهيئة العامة الدكتور أحمد كرم، الذي يمثّل مجموعة تضم أكثر من عشرين عضواً من مختلف الفئات المنبثقة عن المجلس، أنه لا يعارض من حيث المبدأ تمديد ولاية المجلس أو رئيسه حتى سنّ السبعين، لكنه يرفض تطبيق هذا التعديل على المجلس الحالي. وأوضح أن المجلس الحالي انتُخب بموجب القانون النافذ آنذاك، الذي حدّد ولاية المجلس والرئيس بأربع سنوات، وبالتالي لا يجوز إخضاعه لاحقاً لقانون جديد يمنحه ولاية أطول. واعتبر أن أي تعديل يجب أن يبدأ تطبيقه مع الانتخابات المُقرّرة عام 2027، بحيث يُنتخب المجلس الجديد على أساس القانون المُعدّل، ويستفيد الفائزون وحدهم من أحكامه. وشدّد على أن أي محاولة لتمديد ولاية المجلس الحالي أو إلغاء الانتخابات المرتقبة ستُواجَه بالطعن أمام المراجع المختصة، مؤكداً أن أعضاء الهيئة العامة سيستخدمون جميع الوسائل القانونية المُتاحة لإبطال مفاعيل أي قانون من هذا النوع، معتبراً أن التمديد «يشكّل اعتداءً على حق أبناء الطائفة في اختيار ممثّليهم، ولن نوفّر طريقة لوقف هذه المهزلة».
رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدور، استغرب، في اتصال مع «الأخبار»، إثارة الملف في هذا التوقيت، معتبراً أن طرحه «من باب لزوم ما لا يلزم»، لأن مشروع القانون «بات في مراحله الأخيرة، بعدما أُشبع درساً وتعديلاً، وحظي بموافقة جميع الأطراف خلال مناقشته في لجنة الإدارة والعدل». وأوضح أن المجلس الحالي «لم يضع التعديلات، بل ورثها عن المجلس السابق، ودوره اقتصر على تحريك المشروع وطلب إحالته من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب لإقراره بصيغته المُعدّلة». ورأى أن الهيئة العامة للمجلس لا تملك حق الطعن في القانون في حال إقراره، موضحاً أن هذا الحق يقتصر على عشرة نواب أو المجلس الدستوري وفق الأصول القانونية.
في المقابل، علمت «الأخبار» أن المناقشات التي شهدتها الهيئة العامة لمجلس النواب، قبل إحالة المشروع إلى اللجان المشتركة، أظهرت رفضاً واسعاً لإقرار التمديد بالصيغة المُقترحة، فيما دار النقاش حول إمكان حصر أي تمديد، إذا حصل، بسنة أو سنتين، بدلاً من ربط انتهاء الولاية ببلوغ سنّ السبعين.
وبحسب المعلومات، لعب النائب ناصر دوراً أساسياً في الاعتراض على المشروع، انطلاقاً من رفضه استمرار تعديل القانون القديم بصورة متكرّرة بما يتناسب مع من يتولّى رئاسة المجلس. وينقل عنه مقرّبون أن المخرج الحقيقي لا يكمن في تمديد جديد أو تعديل إضافي، بل في طي صفحة هذا القانون نهائياً، والشروع في إعداد قانون عصري جديد، «يصنعه أبناء الطائفة العلوية ويعبّر عن خصوصيتها، بدلاً من الاستمرار في استنساخ قوانين المجالس الملّية الأخرى، ثم العودة في كل مرحلة إلى تعديلها بما يخدم اعتبارات آنية».



