spot_img
spot_img
الرئيسيةأمن و قضاءالعدوان يمحو الحقوق المدنية للجنوبيين

العدوان يمحو الحقوق المدنية للجنوبيين

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينب حمود |

خلف الآثار الظاهرة للعدوان الإسرائيلي، من قتل وتدمير وتهجير، تتفاقم معاناة «مُقنّعة» لا تحظى بالاهتمام الكافي، ترتبط بقضايا أحوال شخصية مُعقّدة أفرزتها الحرب، من فقدان الأوراق الثبوتية وغياب الأدلة المادية، ولا سيما في ملفات المفقودين، إلى النزاعات المرتبطة بحصر الإرث بعد المجازر التي أودت بحياة عائلات بأكملها، من دون أن تتوافر في كثير من الحالات محاضر رسمية تحدّد توقيت الوفاة أو ظروفها.

وقد تبدو هذه القضايا للبعض هامشية، إلا أن تداعياتها تتجاوز المشقّات والأعباء المادية لتطاول الحقوق المدنية والشرعية للمواطنين على المدييْن القريب والبعيد.

وليست هذه الأزمات قدراً محتوماً فرضته الحرب، بل هي أيضاً نتيجة تقصير مُزمن من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، من العشوائية التي شابت توثيق الأجهزة الأمنية لجرائم الحرب، إلى إهمال دوائر النفوس ومصلحة الأحوال الشخصية سجلّات أبناء الجنوب وغياب المكننة، وصولاً إلى بدائية الإجراءات المتّبعة في المحاكم الشرعية عند النظر في قضايا الميراث. ويُضاف إلى ذلك تقاعس مجلس النواب عن تعليق أو تعديل قوانين مرتبطة بالأحوال الشخصية باتت تُلحِق ظلماً إضافياً بالنازحين والمتضرّرين في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة.

فقدان الوثائق

ويكاد أبناء قضاء بنت جبيل يكونون الأكثر تضرّراً في ما يتعلق بسجلّات الأحوال الشخصية. ففيما عمدت وزارة الداخلية إلى نقل أرشيف سجلّات النفوس من القرى الحدودية إلى سراي النبطية، ثم إلى بيروت، لحمايته من القصف الإسرائيلي، تُركت سجلّات أقلام النفوس والدوائر العقارية العائدة للقضاء عالقة في سراي المدينة، وسط مخاطر فقدانها أو تلفها، بما يهدّد بوقوع كارثة حقيقية تمسّ حقوق الأهالي، وتفتح الباب أمام فوضى شبيهة بتلك التي شهدها العراق عقب الغزو الأميركي عام 2003.

صحيح أن السبب المباشر يعود، وفق ما يقول مختار بنت جبيل محمد عسيلي، إلى «خروجنا من القرى فجر 2 آذار، من دون التمكّن من نقل الوثائق والحواسيب، وفشل كل المحاولات التي جرت لاحقاً لإخراجها بالتنسيق مع لجنة الميكانيزم والصليب الأحمر اللبناني والدولي ونواب المنطقة والرئيس نبيه بري». إلا أن ذلك لا يجيب على أسئلة أساسية: كيف تُترك وثائق بهذه الأهمية في منطقة كانت المخاطر الأمنية المُحدقة بها معروفة قبل اندلاع الحرب؟ وكيف لا تزال الإدارات الرسمية تعتمد، حتى اليوم، على السجلّات الورقية بدل الرقمنة؟ ولماذا توقّفت المديرية العامة للأحوال الشخصية في وزارة الداخلية عن استكمال عملية «المايكروفيلم» للمعاملات الصادرة بعد عام 2019؟ ولماذا لم يبادر القائمّقام، منذ الأيام الأولى للحرب، إلى ممارسة الضغوط اللازمة على الجهات المعنية لنقل هذه الوثائق وتأمينها؟

معاناة في إنجاز المعاملات

بعد الإقفال القسري لأقلام النفوس في المناطق الجنوبية المحتلة، أتاحت المديرية العامة للأحوال الشخصية، بصورة استثنائية، تسجيل الوقوعات العائدة للأشخاص الذين تتبع قيودهم لهذه الأقلام في سجلّات خاصة، عبر دائرة نفوس جبل لبنان ودائرة وقوعات الأجانب في بيروت. إلا أن هذا التدبير لم يعالج سوى جزء من المشكلة، فيما بقيت العائلات النازحة تواجه صعوبات كبيرة في تسجيل الوقوعات المختلفة أو الحصول على الوثائق التي تحتاج إليها في حياتها اليومية، لأسباب متعدّدة.

أولاً، تقتصر التسهيلات المتعلّقة بإصدار إخراجات القيد في دوائر النفوس على من يملكون إخراج قيد بيومترياً. أمّا من لا يملكون هذا المستند، فلا يمكنهم استخراج واحد جديد، ويُكتفى بتصديق نسخة عن إخراجات قيدهم القديمة، من دون إدراج أيّ تعديلات طرأت لاحقاً على أوضاعهم الشخصية. ومع ذلك، لا تخلو هذه التسهيلات من مشقّة كبيرة، إذ إن إنجاز المعاملة لا يتمّ في يوم واحد، ما يحمّل النازحين، ولا سيما المقيمين في مناطق بعيدة، أعباء إضافية من تنقّل ومتابعة. وفي هذا السياق، يشكو مخاتير الجنوب من التشدّد الذي تعتمده المديرية العامة للأحوال الشخصية، إذ «لا يُقبل سوى طلب واحد في كل زيارة، رغم غياب أي ضغط فعلي على الدوائر، فضلاً عن سوء المعاملة والتعاطي الفوقي من أحد العناصر الأمنيين هناك».

ثانياً، كيف يمكن لمواطن اضطر إلى مغادرة منزله على عجل من دون أن يحمل أيّ أوراق ثبوتية، أن يثبت أي واقعة أو حادثة تتعلّق بأحواله الشخصية لمتابعة معاملة ما؟ هذه المعضلة تلاحق النازحين أينما وُجدوا، وتهدّد حقوقهم الأساسية في التعليم والعمل والتنقّل والسفر والزواج وغيرها.

وقد أدّت فعلاً إلى حرمان شاب من بنت جبيل من السفر بسبب فقدانه وثيقة الولادة. وهذا ما دفع المحامية نورما حلاوي إلى إطلاق مبادرة لمساعدة الجنوبيين الذين نزحوا من قراهم من دون مستندات ثبوتية، عبر الاستفادة من المعلومات التي يحفظونها عن بياناتهم الشخصية، مثل رقم السجلّ، والاستعانة بالمختار للتثبّت من هوياتهم، بما يسهّل حصولهم على مستندات أساسية كإخراج القيد. وهذا الأمر مرشّح للاستمرار حتى بعد انتهاء الحرب، إذ يخشى عسيلي من أن «نعود ولا نجد أي وثيقة في السراي». لذلك، يوصي الأهالي بالاحتفاظ بأي مستند أو صورة لوثيقة رسمية، ولو كانت محفوظة على الهاتف، مشيراً إلى أن كثيرين تمكّنوا من الوصول إلى بياناتهم الشخصية بالاستناد إلى صور أو حتى محادثات عبر تطبيق «واتساب» تضمّنت معلومات تتعلق ببطاقات الهوية أو غيرها من المستندات.

ثالثاً، هناك أزمة حقيقية مرتبطة بالمهل القانونية المحدّدة لإنجاز معاملات الأحوال الشخصية. فبعد مرور سنة على الولادة، مثلاً، لا يعود بالإمكان تسجيلها إدارياً، ويصبح الأمر رهناً بدعوى قضائية. وفي ظل ظروف النزوح والحرب، يهدّد ذلك بظهور حالات واسعة من مكتومي القيد، ولا سيما بين الأطفال الذين وُلدوا خلال الحرب لوالديْن نزحا من دون أن تكون في حوزتهما وثيقة زواج.

ويُضاف إلى ذلك ما نصّت عليه موازنة عام 2026 من غرامات مالية على التأخير في تسجيل الوقوعات، إذ تبلغ الغرامة مليوناً ومئة ألف ليرة عن كل شهر تأخير في تسجيل الولادة، ومليونين وخمسمئة ألف ليرة عن كل أربعين يوماً من التأخير في تسجيل الوفاة، وهو ما يستدعي تحرّكاً تشريعياً عاجلاً لإقرار قانون يمدّد المهل القانونية المرتبطة بمختلف معاملات الأحوال الشخصية ربطاً بالظروف الراهنة.

مفقودو الأثر

منذ الحرب الأخيرة عام 2024، لا تزال علامات استفهام كثيرة تحيط بالوقائع القانونية والإدارية المرتبطة بشهداء الحرب ومفقودي الأثر، ولا سيما في ما يتعلق بإثبات الوفاة وتسجيلها رسمياً. ويُطرح هنا سؤال بديهي: كيف يمكن فرض غرامات على عائلات تتأخّر في تسجيل وفاة شخص لا تزال عاجزة عن الوصول إلى جثمانه أو التأكّد من مصيره؟

في الظروف العادية، يتطلّب إصدار وثيقة وفاة تقريراً من الطبيب الشرعي يثبت الوفاة، يلي ذلك تنظيم الوثيقة لدى مختار البلدة وتوقيع شاهدين. وبسبب ظروف الحرب، سُجّلت حالات كثيرة أُشير فيها إلى أن الوفاة ناجمة عن اعتداء إسرائيلي، من دون أن يتمكّن الطبيب الشرعي من الكشف على الجثمان، واستُعيض عن ذلك بإفادة المختار، على أن يكون الشاهدان من أقارب المُتوفى من الدرجة الأولى.

ويشير أحد مخاتير الجنوب إلى أنه «رفض تنظيم وثائق وفاة لعدد من المقاومين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً، حتى لو رغب ذووهم بذلك، انطلاقاً من التمسك باحتمال عودتهم». فيما تلفت حلاوي إلى أن إصدار وثيقة وفاة في مثل هذه الحالات الحساسة يتطلّب قراراً من المحكمة المدنية، وفق شروط محدّدة تتعلق بالأسباب الموجبة والمهل القانونية التي تسمح باعتبار مفقود الأثر مُتوفًّى حكماً. وتنعكس هذه الإشكالية على سلسلة من الحقوق والمسائل القانونية المُعلّقة، من حصر الإرث وتقسيم التركات، إلى أوضاع الزوجات اللواتي يبقين عاجزات عن ترتيب أوضاعهن القانونية أو الزواج مجدّداً أو إعادة نقل سجلّاتهن من قيد الزوج إلى الأب.

وفي هذا السياق، يوضح قاضٍ شرعي في المحكمة الشرعية الجعفرية في صور لـ«الأخبار» أن «المفقود في الفقه الشرعي، في ما يتعلق بقضايا الطلاق، هو الشخص المتواري عن الأنظار أو الذي تجهل الزوجة ما إذا كان حياً أم ميتاً، ما يتيح لها مراجعة الحاكم الشرعي لطلب التفريق. أمّا مفقودو الأثر بسبب الحرب فلهم وضع مختلف». ويضيف أن الحالات الراهنة تنقسم إلى فئتين: الأولى تتعلق بأشخاص ثبتت وفاتهم رغم عدم العثور على جثامينهم، وهؤلاء يُعاملون قانونياً بوصفهم مُتوفّين؛ أمّا الثانية فتشمل من لا يزال مصيرهم مجهولاً مع وجود احتمال أن يكونوا أسرى لدى الاحتلال، ما يفرض انتظار اتضاح مصير المعتقلين وهوياتهم قبل اتخاذ أي إجراء قانوني نهائي بشأنهم.

وأحياناً تتخذ التداعيات أبعاداً أكثر تعقيداً، ولا سيما عندما يُفقد أثر أحد الأشخاص قبل أن يُسجّل زواجه أو أولاده في سجلّات النفوس. ومن بين هذه الحالات، قصة شاب من بلدة مركبا تزوّج شابةً سورية من دون أن يتمكن من تثبيت زواجه رسمياً، بسبب التعقيدات الإدارية المفروضة على الزيجات المختلطة، ولا سيما تلك المرتبطة باللاجئين السوريين. ومع إدراج اسمه لاحقاً في عداد مفقودي الأثر، تحوّل تسجيل ابنته البالغة خمس سنوات إلى معضلة قانونية وإدارية. ويوضح مختار البلدة حسين حمود أن «العراقيل تبدأ من صعوبة الحصول على موافقة الأمن العام على الزواج، ولا تنتهي عند مسألة إثبات النسب، في ظل استحالة إجراء فحص الحمض النووي للأب المفقود».

مع ذلك، تؤكّد حلاوي أن مثل هذه القضايا، وإن كانت تستدعي إجراءات أطول وأكثر تعقيداً، لا تخلو من مخارج قانونية. وتوضح أن إثبات النسب يمكن أن يتم، عند الضرورة، عبر إجراء فحوص الحمض النووي لأقارب الأب من الدرجة الأولى. أمّا في حالات الزواج غير المُسجّل من شخص مفقود الأثر، فيمكن للزوجة أن تقيم دعوى تثبيت زواج في مواجهة الوصي، مستندة إلى الشهود الذين حضروا عقد الزواج. وينطبق الأمر نفسه على حالات الطلاق غير المُسجّلة في المحكمة».

لكن، ثمة ملفات أكثر تعقيداً لا تزال عالقة. وتروي حلاوي إحدى القضايا التي تتابعها لشاب يسعى إلى تثبيت زواجه بامرأة فُقِد أثرها منذ الحرب الماضية من أجل تسجيل ابنتهما. غير أن العقبة الأساسية تكمن في أن قيود الزوجة لا تزال مُسجّلة على اسم زوجها السابق، ما يفرض سلسلة طويلة من الإجراءات القانونية والإدارية، تبدأ بالبحث عن قيود الزوج السابق بهدف إعادة قيدها إلى سجلّ والدها أولاً، قبل نقلها إلى قيد زوجها الثاني».

نزاعات على الميراث

بعد المجازر التي تودي بحياة عدد من أفراد العائلة الواحدة، تنشأ أحياناً نزاعات بين الورثة حول حصر الإرث. ويتمحور الخلاف في معظم الحالات حول توقيت الوفاة، إذ تُحدَّد الحقوق الإرثية استناداً إلى ترتيب الوفيات، انطلاقاً من القاعدة التي تقضي بأن من يتوفّى أولاً يورّث من يتوفّى بعده. ففي إحدى القضايا، على سبيل المثال، نشب خلاف بين أرملة أحد الشهداء الذي قضى مع ابنته، وعائلته. فقد ادّعت الزوجة أن زوجها توفي أولاً، ما يعني انتقال جزء من تركته إلى ابنته، التي توفيت بعده بدقائق، لتؤول حصتها لاحقاً إلى والدتها. في المقابل، تمسّكت العائلة برواية مختلفة مفادها أن الابنة توفيت أولاً، وعندما توفي والدها لم يكن له أولاد على قيد الحياة، ما يؤدّي إلى تغيير جوهري في توزيع التركة ويمنح الأم والإخوة الحصة الأكبر منها.

وتشير حلاوي إلى أن «المسألة بالغة الدقّة، وأي خطأ يرتكبه المختار في تحديد توقيت الوفاة قد ينعكس على مجمل مسار القضية والحقوق المترتّبة عليها». وترى أن «المنطق يقتضي عدم التمييز بين مواعيد الوفاة عندما لا يتجاوز الفارق بينها بضع دقائق». غير أن حسم هذه النزاعات يبقى من اختصاص القضاء الشرعي. فبحسب المادة 17 من قانون تنظيم القضاء الشرعي السنّي والجعفري الصادر عام 1962، ولا سيما الفقرة الثانية عشرة منها، «تدخل دعاوى إثبات الوفاة وانحصار الإرث وتعيين الحصص الإرثية، في اختصاص المحاكم الشرعية».

ويصف أكثر من محامٍ يتابعون هذه الملفات متابعة الدعاوى القضائية المرتبطة بشهداء الحرب بأنها «تشبه الدخول في وكر دبابير». ويعزون ذلك إلى «خفّة بعض الأجهزة الأمنية في التعاطي مع جرائم الحرب، وتجاهل عدد من المخافر تنظيم محاضر ضبط بالوقائع، فضلاً عن التعقيدات الشرعية في التحقيقات التي تعتمدها بعض المحاكم الشرعية الجعفرية، ولا سيما في ما يتعلق بتحديد تاريخ الوفاة»، إذ يزداد الوضع تعقيداً في حال اختلاف التقليد الشرعي لكلّ طرف من أطراف النزاع حول التركة، واختلاف آراء المراجع الدينية حول التمييز بين تواريخ وفاة الورثة في حال ماتوا معاً.

الحكم الشرعي في قضايا الميراث

بحسب أحد القضاة الشرعيين في المحكمة الجعفرية، «في حال توفي اثنان، في ذات اللحظة، لا يورث أحدهما الآخر، أما إذا توفي أحدهما قبل الآخر، في الحادثة نفسها، فلو كان فرق التوقيت بضع لحظات، يورث من مات أولا الثاني، كما لو أنه حي، ثم يورث الثاني ورثته الأحياء». لكن، في بعض الحالات، يبقى الجواب حول ذلك مجهولا، ولا تفضي التحقيقات إلى نتيجة حول من مات أولاً، كما حصل في إحدى الغارات عندما أشارت الفرق الإسعافية إلى أنها سحبت جثة من تحت الأنقاض فيما توفي الآخر في الطريق من دون أن تحدد هوية كل منهما. في مثل هذه الحالات، «يورث كل منهما الآخر، بمعنى نعتبر أحدهما مات قبل الآخر، فيورثه، ثم نعتبر الآخر مات قبل الأول، فيورثه أيضاً».

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img