أكد البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي أن أي حديث عن تدخل سوري في لبنان لا يصب في مصلحة أحد، معتبراً أن ما أثير حول دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتدخل سوري في لبنان “ليس موقفاً رسمياً” ووصفه بأنه “غلطة”، مشدداً في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة لا تبدو متجهة نحو توسيع الحرب، بل نحو الدفع باتجاه السلام.
وفي حوار خاص، قال الراعي إن الرئيس السوري أحمد الشرع “يأتي بكل النية الطيبة حتى يبني سوريا، وهي بحاجة إلى البنيان”، معرباً عن أمله بقدرته على النهوض بالبلاد، مضيفاً: “في داخلنا أمل ورجاء بقدرة الرئيس الشرع على النهوض بسوريا مثلما يفعل الآن”.
وأشار إلى أن لبنان يسعى إلى الخروج من أزماته ليقيم مع سوريا علاقة طبيعية بين بلدين متجاورين يتبادلان الإمكانيات، لافتاً إلى أن الرئيس الشرع يطرح مقاربة تقوم على السلام بين لبنان وسوريا.
وقال الراعي: “بالتأكيد لن يحصل تدخل سوري في لبنان، وإذا حصل فلن يكون لصالح أحد”، معتبراً أن ما يتم تداوله عن دعوة للرئيس ترامب بهذا الاتجاه “ليس رسمياً لأنه غلطة”.
ورأى أن الولايات المتحدة لا ترغب في توسيع الحرب، قائلاً: “لا أعتقد أن أميركا تريد توسيع الحرب، وأعتقد أنها تريد السلام لأن الكل تعب من الحرب”، مضيفاً أن الشعوب اليوم لا تتجه نحو الحروب بل نحو السلام والتفاهمات.
وشدد على أن قتل البشر يتعارض مع القوانين الدولية وتعاليم الكنيسة، مؤكداً أن الكنيسة تقف إلى جانب السلام وتقارب الشعوب، وأنها ترى أن الدول وجدت من أجل التنمية والاستقرار وليس من أجل الحروب.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد الراعي أن الكنيسة تطالب بقيام دولة فلسطينية، معتبراً أنه “لا سلام من دون دولة فلسطينية”، في موقف يجدد دعم الكنيسة لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم.
كما أوضح أن الكنيسة لا تؤيد وجود تنظيمات مسلحة تشن الحروب، معتبرة أن الدولة وحدها هي صاحبة القرار في السلم والحرب، وقال إن العالم يشهد سباقاً متزايداً نحو التسلح، ولا توجد مؤشرات حقيقية على أنه يسير نحو السلام.
وأضاف أن المطلوب اليوم هو تدخل الدبلوماسية وتعزيز الحوار والصداقة والتفاهم بين الدول، مؤكداً أن الحروب لم تعالج يوماً أي أزمة، بل خلّفت الدمار والخراب وسقوط الضحايا.
وأكد الراعي أنه لا يرى أي حرب مبررة، وأنه يفضّل استخدام كل الوسائل السلمية والدبلوماسية والسياسية للوصول إلى الحلول، مشيراً إلى أن تعليم الكنيسة يؤكد أن الحق يكون في السلام والدبلوماسية وليس في الحرب.
وتناول الراعي “اتفاق الإطار”، موضحاً أنه قرأ بنوده ووجد أنها تتناول قضايا أساسية تشمل السيادة، والانسحاب، وجمع السلاح، وتحقيق السلام، وإعادة الأسرى، معتبراً أن تنفيذ هذه البنود هو المعيار الحقيقي للحكم على الاتفاق.
وقال: “إذا أوصلنا الاتفاق إلى شيء عندها يمكن أن نهلل، وإذا لم تحصل هذه الأمور فهذا يعني أننا عدنا إلى الحرب”، مضيفاً: “لنعطِ فرصة لأنفسنا، ويجب ألا نرفض هكذا سريعاً، وإن شاء الله يحصل السلام”.
وأوضح أنه “قرأ اتفاق الإطار وباركه”، لكنه شدد على أن ذلك “لا يعني تبنيه”، لأن الفارق كبير بين النصوص وبين التنفيذ، مؤكداً: “إما أن يحصل ما ورد في الاتفاق أو سنعود إلى الحرب والدمار”.
وفي الشأن الداخلي، تطرق الراعي إلى ملف المقاومة، فقال إنه سبق أن دعا إلى الوصول إلى صيغة للدفاع المشترك بالتفاهم مع الدولة، معتبراً أن “الحرب أُعلنت ومضوا بها، فيما الحكومة كانت ضدها”.
وأضاف أنه إذا كان المطلوب أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الحكومة، فيجب التفاهم على صيغة واضحة، مشيراً إلى أن فكرة الدفاع المشترك أصبحت أكثر صعوبة بعدما اتخذت الحكومة قرارها، ولم تعد تعترف بالمقاومة.
وقد شدد الراعي على أن الطائفة الشيعية ليست مستهدفة، بل لها مكانتها وقيمتها ودورها الوطني، مؤكداً أنه لا ينبغي أن تشعر بأنها مستهدفة، لأنها مكوّن أساسي من مكونات الوطن، كما اعتبر أن نموذج العيش المشترك الثقافي والديني القائم على المساواة يبقى ميزة فريدة يتمتع بها لبنان.
وتساءل: “لبنان من دون الشيعة أي قيمة له؟ أو بدون الموارنة أو السنّة وغيرهم؟”.
وقال الراعي: “نريد أن يقبل اللبنانيون بحياد لبنان وعلى الدول المعنية كسوريا وإسرائيل وإيران أن تعترف بوحدة لبنان”، مضيفًا “الحياد لا يعني أن لبنان لن يكون معنياً بصراعات المنطقة بل أن يصبح أرض السلام”.
وشدد على أن “جميع اللبنانيين يريدون أن يبقى لبنان لكن على كل واحد أن ينهض بنفسه”، متابعًا “عندما يسألونني ما مصير المسيحيين؟ أقول لهم اسألوني ما مصير لبنان”. وأردف: “هذا الوطن أريد أن أسلمه للأجيال وأريد أن أحافظ عليه”.
واعتبر البطريرك أن الولاء النهائي للبنان لم يتحقق بعد، أو لم يكتمل بعد، مؤكدًا أنه لا بد أن يصبح الولاء للبنان ولاءًا نهائياً.
وقال: “لا أحد يستطيع أن ينكر دور الموارنة الأساسي في تكوين لبنان ولا أحد يستطيع أن ينكر ولاءهم للبنان”.














