كشفت دراسة حديثة لباحثين من جامعة بايرويت (University of Bayreuth) بألمانيا، نُشرت في النصف الأول من شهر حزيران في “المجلة الأوروبية للطب النفسي للأطفال والمراهقين” (The European Child & Adolescent Psychiatry)، عن المخاطر المترتبة على التصفح المستمر لمقاطع الفيديو القصيرة، والتي تؤدي إلى زيادة ضعف الانتباه وارتفاع مستويات التوتر لدى المراهقين والشباب.
وحذّرت الدراسة من خطورة التعامل باستهانة مع الآثار الصحية السلبية لمشاهدة هذا النوع من المقاطع لدى الأطفال والمراهقين، في ظل الارتفاع الكبير في أعداد مستخدميها حول العالم، مشيرة إلى أنّ أكثر من ربع مستخدمي منصة “تيك توك” في عام 2023 تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، رغم القيود العمرية المفروضة على هذه التطبيقات.
وأجرى الباحثون مراجعة لأكثر من 1500 مجموعة بيانات مستخلصة من 42 دراسة عالمية تناولت تأثير الوسائط الرقمية على الأطفال بين عامي 2015 و2025، وضمّت نحو 47 ألف مشارك بمتوسط أعمار يبلغ 16.8 عاماً، وشملت بيئات متعددة مثل المنازل والمدارس والنوادي وأماكن تجمعات الشباب.
وتضمّنت الدراسات فحوصاً تشخيصية لرصد التأثيرات العصبية والعضوية لهذه الفيديوهات، من بينها قياس كهربائية الدماغ عبر تخطيط الدماغ (EEG)، إضافة إلى التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لرصد نشاط الدماغ.
وتركّزت الدراسة على 3 عناصر رئيسية تفسّر انجذاب المراهقين لهذه المنصات، وهي: السرعة، والتمرير اللانهائي، والخوارزميات شديدة التخصيص، إذ ترتبط سرعة عرض المحتوى بضعف الذاكرة المستقبلية، فيما يؤدي التخصيص الخوارزمي إلى زيادة التعلّق وإهدار الوقت، ويضمن التمرير اللانهائي استمرار الاستخدام دون إشارات توقف طبيعية.
كما عمل الباحثون على ضبط مجموعة من العوامل المؤثرة في النتائج، مثل العمر والجنس والبلد والمنصة والخلفية الثقافية ومستوى التعليم، لضمان دقة النتائج.
وأظهرت النتائج أنّ الاستخدام المكثّف وغير المنظّم لمقاطع الفيديو القصيرة يرتبط بزيادة طفيفة إلى متوسطة بضعف الانتباه والاندفاع وقلة ضبط النفس، وانخفاض متوسط في الذاكرة العاملة، إضافة إلى ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والتوتر، وزيادة ملحوظة في أعراض الإدمان.
وأوضحت الدراسة أنّ الاستخدام المكثّف يُعرّف بتصفح الفيديوهات لمدة 4 ساعات أو أكثر يومياً، بينما يشير الاستخدام غير المنظّم إلى الاستخدام غير المرتبط بروتين محدد، بما يؤدي إلى اضطراب النوم وفترات الراحة.
وفي ما يتعلق بمعدلات الإدمان، أظهرت النتائج تضاعف الحالات من المرحلة الإعدادية إلى الثانوية، وارتفاعها إلى 53% في المرحلة الجامعية، فيما صُنّف المستخدمون إلى غير مدمن (أقل من ساعة يومياً)، ومدمن خفيف (من ساعة إلى ساعتين)، ومدمن حاد (أكثر من 3 ساعات يومياً).
وتبرز أهمية الدراسة كونها من أوائل الأبحاث التي تتناول تأثير تصميم الفيديوهات القصيرة على الوظائف العصبية والمعرفية والعاطفية لدى المراهقين، وليس المحتوى فقط.
كما أكدت وجود اختلاف جوهري بين هذا النوع من المنصات والوسائط التقليدية مثل التلفزيون أو الفيديوهات الطويلة، إذ تعتمد منصات الفيديو القصير على محتوى سريع التبدّل لا يتجاوز في الغالب نصف دقيقة، ما يؤدي إلى تحفيز متكرر وسريع لنظام المكافأة في الدماغ، إضافة إلى تأثير الخوارزميات في تعزيز التخصيص والسلوك التفضيلي للمستخدم.
وأوصت الدراسة بضرورة التعامل مع الفيديوهات القصيرة بطريقة مختلفة عن التوصيات التقليدية الخاصة بتقليل وقت الشاشة فقط، داعية إلى توفير بدائل سلوكية وتنظيمات رقمية واضحة للمراهقين، مع تأكيد دور البيئة الاجتماعية الداعمة والروتين الرقمي المنظم في الحد من هذه الآثار.
كما حذّرت من أن التعرض المتكرر لمحتوى سريع التبدّل في مراحل الطفولة والمراهقة قد يؤثر في تطور أنظمة الانتباه والمكافأة وضبط السلوك، نظراً لكونها ما تزال في طور النمو.














