spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةزحمة المسارات: فصل أم وصل؟

زحمة المسارات: فصل أم وصل؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| عماد مرمل |

بين مسار سويسرا الذي استجّر طاقته من تفاهمات إسلام آباد، ومسار واشنطن الذي عاود انطلاقه وسط تمسك السلطة السياسية به، تُطرح تساؤلات عن حدود التضارب والالتقاء بين هذين الاتجاهين، فيما يبقى المطلوب بالنسبة إلى لبنان هو «أكل العنب وليس قتل الناطور»، أي تحقيق الأهداف الخمسة المعروفة (إنهاء العدوان، الانسحاب، تحرير الأسرى، عودة النازحين، والإعمار) والتي تشكّل قاسماً مشتركاً بين الجميع، وإن اختلفوا على سبل تحقيقها.

عادت الكرة إلى الملعب اللبناني التفاوضي مع انطلاق مسار واشنطن مجدداً، بعدما كان التوقيت السياسي والميداني في لبنان والإقليم مضبوطاً خلال الأيام القليلة الماضية على الساعة السويسرية حصراً، بعقاربها الإيرانية والأميركية. ولعلّ القاسم المشترك الأساسي بين مساري سويسرا وواشنطن هو الأميركي، الذي يلعب على الحبلين، ترجمةً لبراغماتية رجل الأعمال دونالد ترامب، الذي لا يهمّه في نهاية المطاف سوى أن تنجح صفقاته، بمعزل عن طبيعة الدروب التي يمكن أن تؤدي اليها.

 

وهناك في الأوساط السياسية المواكبة لملف المفاوضات من يعتبر انّ لبنان الرسمي سيكون أمام فرصة لمحاولة الاستثمار على التباينات المستجدة بين ترامب وبنيامين نتتياهو حول مقاربة الملف اللبناني، بغية تحسين موقعه التفاوضي وزيادة الضغط على تل أبيب التي تبدو محاصرة سياسياً في هذه المرحلة، خصوصاً بعد توقيع اتفاق الإطار بين واشنطن وطهران، والذي لم تكن بعيدة منه وحسب، بل إنّه أتى على حساب مخططاتها ومصالحها.

 

واللافت انّه عندما سُئل ترامب عن موقفه من إعلان نتنياهو عن بقاء القوات الإسرائيلية في «المنطقة الأمنية» في الجنوب اللبناني، أجاب: «أنا شخص يحل المشكلات، ويمكنني حل المشكلات بسرعة، بما في ذلك مع «بيبي»، في إشارة إلى نتنياهو.

وبهذا المعنى، ستشكّل جولة التفاوض الخامسة في واشنطن اختباراً للسلوك الأميركي حيال الملف اللبناني، عقب إبرام التفاهم مع طهران واتساع رقعة الخلاف بين ترامب ونتنياهو، والذي كان الوضع اللبناني إحدى شرارته، علماً انّ المؤكّد هو انّ ترامب لا يريد لهذا الوضع أن يشوش على وثيقة التفاهم مع طهران والدينامية التفاوضية التي أطلقتها في سويسرا، وهو ما يفسّر تدخّله الحازم لضبط إيقاع نتنياهو على «النوتة» الأميركية.

 

لكن نتنياهو سيقاوم على الأرجح محاولات الولايات المتحدة لتقليم أظافره في لبنان، وهو الذي يتعاطى أصلاً مع الساحة اللبنانية على أساس انّها «مشاع» يملك حرّية الحركة فيه لحماية أمن الكيان، وبالتالي فإنّه يفترض انّ ترامب يبالغ في تقييده من دون مراعاة متطلباته.

وقد أتى الخرق الإسرائيلي النافر لقرار وقف إطلاق النار في النبطية الفوقا، حيث سقط شهيدان وجريح، ليوحي بأنّه ينطوي على رسالة موجّهة إلى طاولة واشنطن والجالسين اليها، مفادها أنّ الاحتلال هو الذي يتحكّم بقواعد اللعبة ولا تُفرض عليه.

 

وإزاء الإصطفافات الداخلية الحادة إزاء الخيارات المتوافرة أمام لبنان الموزع بين معوّلين على مفاوضات سويسرا ومتمسكين بمفاوضات واشنطن، يشدّد البعض على أنّ الموقف الرسمي حيال هذين المسارين يجب أن يكون مركّباً، بحيث يحل التقاطع بدل القطع، على قاعدة أن يأخذ لبنان من كليهما ما يناسبه ويحقق أهدافه الخمسة في تثبيت وقف العدوان وانسحاب الاحتلال وعودة النازحين وإطلاق للأسرى وبدء الإعمار، خصوصاً أنّ كلاً من هذين المسارين بات امراً واقعاً لم يعد بالإمكان تجاوزه.

 

ويلفت المطلعون إلى انّه تتوجب الاستفادة من الدور المحوري الذي يؤديه الرئيس نبيه بري في مسعى الوصل الموضعي بين ايجابيات المسارات، عوضاً عن الفصل التام، طارحاً في هذا السياق مقاربات عملية يمكن أن تصنع أرضية مشتركة للبناء عليها. وإذا كان مسار سويسرا قد استطاع تثبيت وقف إطلاق النار وابتكار آلية مشتركة لمراقبته واحتواء أي خروقات محتملة، فإنّ المتحمسين لمسار واشنطن سيكونون أمام تحدّي إثبات جدواه في الدفع نحو تحصيل المطالب الأربعة الأخرى التي ينادي بها لبنان، من دون تسديد أثمان باهظة في السياسة والميدان، خصوصاً أنّ شهية نتنياهو مفتوحة على تحقيق مكاسب تعزز وضعه الداخلي واوراقه الانتخابية، وتخفف من حجم الضرر الذي لحق به جراء مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية.

 

وفي حال كان ترامب ونتنياهو يريدان فك المسار اللبناني عن ذاك السويسري على قاعدة سحب الورقة اللبنانية من يد طهران، يستوجب منهما ذلك تسهيل مسألة الانسحاب من الجنوب وفق روزنامة واضحة وآليات قابلة للتنفيذ والتسويق لدى «الثنائي الشيعي»، الذي يستحوذ على القرار الميداني.

 

أما إذا أخفقت الجولة الجديدة من مفاوضات واشنطن في تحقيق تقدّم حقيقي نحو إخراج الجيش الإسرائيلي من الجنوب، فتكون هي نفسها قد أعادت ربط لبنان بمسار سويسرا، حيث المفاوض الإيراني يصرّ على أن يكون بند إقرار الانسحاب جزءاً من أجندة مفاوضات الستين يوماً، بل إنّ البعض يلمح إلى انّ طهران لن توقّع اتفاقاً نهائياً مع الولايات المتحدة، حتى لو تمّ التوصل اليه، قبل التفاهم على الإنسحاب الإسرائيلي الذي تجد فيه إيران ممراً إلزامياً نحو استكمال مقتضيات التطبيق الكامل لبند وقف الحرب على لبنان، الوارد في مطلع مذكرة التفاهم.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img