| جورج علم |
تسارعت التطورات. وتبدّلت الحسابات. وآن الأوان لتجسير العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران.
وخيرٌ أن تأتي المبادرة من بيروت، قبل أن تفرضها المستجدات.
يبقى السؤال: هل تملك السلطة زمام المبادرة لكي تُقدِم، أم عليها مراعاة الظروف، والتشاور والتنسيق المسبق مع الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وفرنسا، وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، قبل الإقدام؟
إن السلطة لا تزال بحاجة إلى مظلة الخماسية العربية – الدولية كي تقيها حرائق الشرق الأوسط، وإن كانت همة هذه الخماسية قد تراجعت ظاهريًا أمام هول الاجتياح الكبير الذي دهم الشرق الأوسط.
يقول دبلوماسي متابع:
“لم تُفاجأ بعض دول الخماسية باتصال وزير خارجية إيران عباس عراقجي برئيس الجمهورية جوزاف عون. المفاجأة كانت في البيان الإعلامي الصادر عن رئاسة الجمهورية، والذي حوّل الاتصال إلى حدث يطفو على عيوب ثلاثة.
كان يفترض أن يتم الاتصال، وفق البروتوكول والعرف الدبلوماسي، مع وزير الخارجية، وليس مع الرئيس مباشرة. لكن الضرورات تستبيح المحظورات!
وكان يفترض تلمّس شيء من الرصانة والتعقل والجدية، كون ما صدر عن قصر بعبدا من توصيف للمحادثة الهاتفية يتناقض تمامًا مع الحملة الإعلامية واتهام إيران بالتدخل في شؤون لبنان الداخلية، وبخطاب عالي النبرة.
وكان يفترض اعتماد الموضوعية في التعاطي مع البند المتعلق بلبنان.
كان هناك ترحيب بمجهول! فلا رئاسة الجمهورية قد استُشيرت بشأنه، ولا حكومة نواف سلام شاركت في صياغته، مع التأكيد أن قرار وقف إطلاق النار إنما ورد في نص البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية عقب انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، ورفضته قوى المحور!
وتنطوي إشارة – إذا ما تأكدت صحتها – على دلالات غير مستحبة في الوسط اللبناني التعددي، ذلك: إن صح أن الوزير الإيراني قد اتصل برئيسَي الجمهورية والمجلس النيابي، واستثنى رئيس الحكومة، فلماذا تجاهل ممثل المكوّن السني في السلطة؟!”
قد لا يفيد اللطم، ونبش فجوات العلاقة، وتقليب صفحات الماضي القريب منها والبعيد، في هذا المنعطف المصيري.
لقد وصل لبنان إلى حيث هو الآن. هناك قرار بوقف إطلاق النار يشمله بموجب التفاهم الأميركي – الإيراني. وهناك إعلان إسرائيلي يؤكد أن تل أبيب غير معنية. وهناك إصرار لبناني رسمي على الاستمرار بالمفاوضات المباشرة. وهناك تسلل أميركي لاختراق المرمى من دون اعتراض، ومن دون صفارة حكم!
يقول الرئيس دونالد ترامب، في وقت لم يمر عليه الزمن، إنه مع فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني. وفجأة يعلن أنه على توافق مع الإيراني حول المسار اللبناني، أقلّه في ما يتناول وقف النار.
ويقول إنه الضامن للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة التي تجري بضيافته وتحت رعايته. وفجأة لا تظهر أي مفاعيل لهذه الرعاية والوساطة. والدليل أنه لم يتمكن من ردع تل أبيب، وإرغام بنيامين نتنياهو على احترام قرار وقف إطلاق النار الذي تم التفاهم عليه في ختام الجولة الرابعة.
ويقول كلامًا جديدًا موجّهًا إلى سوريا، يريد لها دورًا في لبنان مكمّلًا للدور الإسرائيلي حول كيفية التعاطي مع “حزب الله”.
الرئيس السوري أحمد الشرع رفض العرض سابقًا، وقال إنه غير مستعد للتدخل والغرق في المستنقع اللبناني.
رئاسة الجمهورية لاذت بالصمت. كذلك رئاسة الحكومة، رغم أن المزاج اللبناني العام يرفض اجتياحًا سوريًا جديدًا تحت أي شعار أو غرض أو قضية، ويرفض أن يصبح لبنان تحت وطأة هيمنات ثلاث: إسرائيلية، وإيرانية، وسورية.
ويجري في مجالس دبلوماسية مقرّبة من الخماسية العربية – الدولية توصيف الدور الأميركي انطلاقًا من ثلاثة أسئلة:
- هل المفاوضات المباشرة ستصبح في عهدة الولايات المتحدة وإيران، كشرط تتمسك به طهران لإنجاح المفاوضات الإيرانية – الأميركية؟
- هل يستسلم لبنان الرسمي للضغوط الأميركية، ويستغني عن الدعم الفرنسي والمصري والسعودي والقطري لمساره الاستقلالي – السيادي؟
- هل من فائدة قصوى تجنيها المصلحة الوطنية اللبنانية العليا من استمرار التوتر في العلاقات مع إيران، أم أن العكس هو الصحيح، بعدما أثبت ترامب أن المصالح العليا لـ”أميركا أولًا” فوق أي اعتبار، حتى ولو كان لبنان، واحتمال الدفع به تحت الوصايات؟!
أما الخلاصة المستنتجة، فتقضي بأن يعيد لبنان الرسمي تدوير زواياه الحادة مع إيران، وأن يقرأ المستجدات بتبصّر وحكمة. إذ لا مصلحة له في تعطيل المسارين وإقفال كل الأبواب والنوافذ.
وإذ كانت هناك استحالة في اعتماد مسار القوة لردع أي احتلال أو هيمنة متسلطة، فعليه ألّا يعطّل المسار الدبلوماسي، وهو الوحيد الباقي والمتاح، بل يجب تفعيله حيث أمكن، وفي كل الاتجاهات، ليتمكن من توفير الحماية لأرضه، واستعادة سيادته، وبناء مقدرات دولته لكي تصبح قوية وقادرة وعادلة.
إن السجادة اللبنانية – الإيرانية أصبحت مهلهلة، وبحاجة إلى “رتي”. وكذلك العلاقات التي تمليها المصلحة اللبنانية العليا، لكن بالتروي والتشاور والتنسيق مع دول الخماسية العربية – الدولية.
وإن الطبق اللبناني أصبح بحاجة إلى الزعفران الإيراني.. لتطييب المذاق!
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c














