| جورج علم |
يبقى المجهول سيّد المرحلة، حتى إشعار آخر.
وتبقى الصورة داخل البيت الأبيض مكلفة، على اللبنانيين تحديدًا، مهما حاولت قارئة الفنجان أن تجمّل الطالع العسير.
لا يكفي أن يتوسّط الرئيس دونالد ترامب الوفدين المفاوضين لكي يتوقف الدمار وينطلق الاستقرار والازدهار. تكمن المسألة في جدّية الوساطة، ومفاعيلها الرجعية والمستقبلية، ومدى صدقها ومصداقيتها.
حتى الآن، مجرّد وعود، وكلام منثور في الهواء، وشعارات تُرمى على جنبات الطريق، فيها الدسم وفيها الرقيق، وتحيط بها أفياء من الشكوك وسوء الظن!
قال ترامب بالهدنة لمدة 10 أيام، لكن بنيامين نتنياهو لم يستجب ولم يتجاوب، واستمرّت معاوله في تدمير ما تبقّى.
وقال بتمديد الهدنة ثلاثة أسابيع، بعد أن التقطت “فلاشات” المصوّرين ملامح الصورة في المكتب البيضاوي، لكن الهدنة ضلّت طريقها ولم تصل إلى الجنوب في الوقت المحدّد.
لماذا؟
لأن ليس كل ما يُقال فعّال. هناك أزمة صدق ومصداقية. هناك ضبابية كثيفة تغلّف الحقائق، وهناك سوابق تغذّي الذاكرة وتطرح السؤال حول مدى الصواب في الرهان على الكلام الأميركي، والعرض الأميركي، والالتزام الأميركي!
وضع الرئيس ترامب العالم في قطار “مجلس السلام”، ووعد بنزهة حول قطاع غزة، وبإبرة فعّالة لترميم سجادة السلام المهلهلة. لكن لا القطار انطلق رغم الضجيج المدوّي بالشعارات الطنّانة، ولا السلام وجد طريقه نحو الديار المكلومة.
العائق معروف. “إسرائيل” وحدها ترمي شباكها هنا وهناك وهنالك، لتصطاد المبادرات الواعدة، ولتقطع الطريق أمام أي مبادر يحمل على ظهره “بقجة” السلام، مهما كان مشربه، ومهما كانت ألوان بطاقة هويته زاهية، حتى ولو كانت مرصّعة بالنجوم!
أين “مجلس السلام” اليوم؟ أين يقبع؟ ما هي ماهيته؟ وكيف يسمح لنتنياهو أن يعربد وحده، ويمعن في القطاع تقطيعًا وقتلًا وتشنيعًا وتدميرًا؟!
يُقال إنه يتولّى إجهاض مبادرة ترامب الخاصة بغزة، تحت نظر البيت الأبيض وسمعه، من دون أن يحرّك ساكنًا، لأن الانتخابات النصفية على الأبواب، والحزب الجمهوري بحاجة ملحّة إلى كسب صوت “اللوبي” اليهودي، للتحكّم بمفاصل الكونغرس!
ويُقال إن حسابات ترامب زئبقية، كونها مبنية على مواقف متقلّبة. لا يمكنه بناء “ريفييرا الشرق الأوسط” ولا إدارتها بالريموت كونترول. إنه بعيد بمسافات عن القطاع، بينما يتحرّك حليفه نتنياهو وكأنه “الأولى بالمعروف”، بحكم قربه من المكان، وبما يحمله من ميول وأهواء ومطامع تتصل بـ”إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد”!
لكن الحقيقة لا تُبنى على القيل والقال. هناك حقائق لا يمكن طمسها، وتاريخ لا يمكن تجاهله، وجغرافيا لا يمكن شطب معالمها بشحطة قلم، وإن كان الارتجال سمة المرحلة.
حشد ترامب أساطيله، وزحف بجيوشه إلى الشرق الأوسط ليغيّر ويبدّل، ويطيح بأنظمة ويستبدلها بأخرى أكثر طواعية، لكنه لم يتمكّن حتى اليوم من تحقيق ذلك، ووجد نفسه بعد طول عناء في وضع مربك يدفعه إلى الحوار مع من جاء ليغيّره، للحدّ من الخسائر!
هذه المشهدية، وغيرها، جعلت الصورة “ثلاثية الأبعاد” في البيت الأبيض باهتة، فقدت لمعانها سريعًا، وحوصرت بكمّ هائل من علامات الاستفهام حول المصداقية والدور والفعالية! ويحاصرها سؤال مصيري: متى تزهر الوعود المعسولة والشعارات البرّاقة في أديم الشرق الأوسط الجديد؟ ومتى تصبح الهدنة في لبنان واقعًا ملموسًا، وتتحوّل إلى أساسات صلبة يُبنى عليها، وتُشيد فوقها مداميك واعدة بالاستقرار والازدهار؟!
لقد صدمت الصورة الساحة اللبنانية، لكنها تركت تموّجات خفيفة، كون الزلزال الحقيقي كان لا يزال يستجمع ارتداداته المتصلة بالمفاوضات، وما إذا كانت مباشرة أو غير مباشرة.
هنا شرخ كبير وهوّة تتسع بين المكوّنات حول هذا النوع من المفاوضات. والحقيقة أبعد من هذا العنوان وتفاصيله. الحقيقة في مكان آخر.
والغيارى على العنفوان الوطني والسيادة المطلقة هم غيارى على مصيرهم ومستقبلهم. إنهم يتحسّسون رؤوسهم كل يوم، ومع مطلع كل شمس. همّهم الاستمرارية الفوقية، و”من بعد حماري ما ينبت حشيش”! المهم عندهم ألا يغمر الطوفان المندفع الأساسات الطائفية، وألا يطيح بالأبراج الفئوية العالية.
وإلا لماذا هذه الصحوة الفجائية حول الطائف، وفي هذا التوقيت المصيري؟ ومن يهدّد الطائف اليوم، أو يأتي على ذكره وسط هذه العاصفة من المصائب والنكبات؟
الجواب بسيط: لأن الطائف وفّر لهؤلاء اقتطاعات خصبة في مزرعة الوطن!
من هنا، تبدو الصورة في البيت الأبيض غامضة، كونها متصلة بشريان طويل من المواقف المتقلّبة والشعارات البهلوانية، وهذه بدورها “تحور وتدور” حول المفاوضات وشكلها، وسط ضجيج من التهديدات بإفتعال اغتيالات أو الانزلاق نحو متاهات داخلية تستنسخ حربًا أهلية!
كيف يفكّر الأميركي ترامب؟ وكيف سيتصرّف؟ هذا شأنه. لكن للأوروبيين نظرة خاصة ومقاربة مختلفة. يستبعدون الحرب الأهلية، ويؤكدون أن السلم الأهلي في لبنان ليس من صنيع الرؤوس التي أينعت بالفساد وتدمير البلد ماليًا واقتصاديًا وأخلاقيًا.
إنه صنيع الخارج، لأن مصالحه تلتقي على صيانة الاستقرار ولو بحدّه الأدنى. وما الضجيج الداخلي حول المفاوضات سوى عراضة استباقية للحصول على ضمانات تؤكد أنه ليس في القافلة الزاحفة نحو لبنان من “حجّاج بن يوسف”، وأن الرؤوس التي أينعت قد حان قطافها… والسلام!













