| خلود شحادة |
في لبنان، حيث الأرض تُروى منذ عقود بوجعٍ لا ينتهي، يقف أهل الجنوب على تخوم الألم، كأنهم حراس الذاكرة والكرامة معاً. كل يومٍ هناك لا يشبه سابقه إلا بثقله… بدمه… وبالبيوت التي تتحول إلى غبار، وبالأرزاق التي تُسلب من بين أيدي أصحابها، فيما هم صامدون، كأن الصبر صار لغتهم الوحيدة.
ليس سهلاً أن نكون صحافيين في هذا المشهد. أن نحمل الكاميرا أو القلم، ونمضي لننقل الحقيقة، بينما الحقيقة نفسها تمزّقنا من الداخل. ليس سهلاً أن نكتب خبراً عن شهـيد، ونحن نعرف اسمه، وملامحه، وصوته… أن يكون زميلاً، أو صديقاً، أو وجهاً اعتدنا أن نراه بيننا. كيف للكلمات أن تكون محايدة، حين يكون القلب في قلب الحدث؟ وكيف للصوت أن يثبت، حين يرتجف من الفقد؟
كل يوم، هناك أمّ تقف عند عتبة الوداع، تستقبل ابنها شهيداً لا عائداً. أمٌّ تحفظ ملامحه أكثر من أي صورة، وتعرف أن هذا العناق الأخير لن يُعاد. في عينيها حكايات لا تُكتب، ودموعٌ أثقل من أن تُفهم.
وهناك إخوة وأخوات، دفنوا بعضهم بأيديهم، كأن القدر قرر أن يختبر قدرتهم على الاحتمال حتى النهاية. كيف يُدفن الأخ أخاه، ويعود ليكمل الحياة؟ بأي قلب؟ بأي قوة؟
أما الأطفال… فهم الوجع الصامت. عيون صغيرة كبرت فجأة، وقلوب تعلّمت الفقد قبل أن تتعلم الفرح. يُتْمٌ يتكاثر بصمت، وطفولة تُسرق على مرأى العالم. كل بيتٍ هناك يحمل قصة، وكل زاويةٍ شاهدة على غيابٍ لا يُعوّض.
ويكبر فينا الشوق إلى الجنوب، كحنينٍ جارح لا يهدأ. إلى القرى التي نحفظ أسماءها كما نحفظ وجوه أحبّتنا، إلى الأزقّة التي شهدت طفولتنا، وإلى البيوت التي لم تعد كما كانت… أو لم تعد موجودة أصلاً. شوقٌ إلى أرضٍ ما زالت هناك، تنتظر أهلها، وتئنّ تحت وطأة الغياب والقهر.
ثمّة قرى تبدو اليوم كأنها تُترك لمصيرها، كأنها تُدفع بصمتٍ نحو النسيان، أو تُختزل في حساباتٍ ضيّقة لا تشبه تضحيات أهلها.
الحديث عن المفاوضات يأتي بارداً، جافاً، كأنه لا يمسّ حياة الناس، بينما في الحقيقة، ثمنه وجعنا نحن… وقهرنا… ودموع الأمهات التي لا تُدرج في أي بند. أيُّ تفاوضٍ هذا الذي لا يحمل في كفّته كرامة الأرض وحقّ أهلها؟ وأيُّ سلامٍ يُبنى فوق ذاكرة مثقلة بالشهـداء والبيوت المهدّمة؟
نحن لا نبحث عن إنجازات، بل عن حقّ واضح، عن أرضٍ لا تُساوَم، وعن وجعٍ لا يجوز أن يُختصر أو يُهمّش. الجنوب ليس رقماً في معادلة، ولا ورقة على طاولة، بل هو نبض ناسه، وذاكرة شهدائه، وصبر أهله الذين لم يتركوا أرضهم رغم كل شيء.
ويبقى السؤال معلقاً في قلوبنا: إلى متى يبقى الجنوب يدفع وحده؟
ومع ذلك، ورغم كل هذا الثقل، لا يزال فيهم ما يكفي من الحياة ليحبّوا أرضهم أكثر… ويتمسّكوا بها أكثر… كأنهم، في كل مرة، يختارون البقاء، مهما كان الثمن.













