spot_img
spot_img
الرئيسيةأمن و قضاءأعداء المقاومة: بعد الحرب صار التقسيم أفضل الحلول

أعداء المقاومة: بعد الحرب صار التقسيم أفضل الحلول

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| محمد وهبة | 

يقدّم أعداء المقاومة في الداخل، مقاربة مبنية على الانفعال وانعدام الاتزان والتناقض. أي نقاش يتعلق بالحرب والقرارات التي اتّخذت أو تتّخذ الآن، مبني على تعداد الخسائر في المباني والشهداء والجرحى، وعلى المشاهد والروايات التي يقدّمها العدو «الذي لا يكذب». وأي نقاش يتعلق بما يجب فعله يبدأ بعبارة «نزع السلاح أولاً». وهؤلاء يعجزون عن تقديم معايير «وطنية» للتفاوض مع العدو. بل يصرّون على خوض نقاش عقيم في الجهة التي أوقفت إطلاق النار: إيران، أم الصداقة مع ترامب؟ في المقابل يبدون قلقاً عميقاً من أن يؤدي أي اتفاق أميركي – إيراني إلى منح حزب الله أفضلية في الداخل.

ولّد مسار التفاوض في باكستان، شعوراً لدى شخصيات سياسية تتصدّر العداء للمقاومة، بأنها عرضة للطعن من أميركا. «الاتفاق بين أميركا وإيران قد يمنح حزب الله أفضلية يستخدمها في الداخل» يقول أحد الوزراء. يبني مقاربتة لا على أساس «الخشية من استعادة الحزب للنفوذ السياسي السابق»، بل لأن الأمر قد ينطوي على أبعد من ذلك، أي الإطاحة بتوزيع الحصص الطائفية كما وردت في اتفاق الطائف ولاحقاً في الدستور. بالنسبة إليه، إن التقسيم بالمعنى الكامل، أفضل.

بل إن تطبيق الفدرالية لم يعد يكفي. ويبرّر موقفه بالاستناد إلى «النتائج المدمّرة» لقررات حزب الله على سائر المناطق. يراها في «الشريط الإسرائيلي الأصفر جنوباً، وفي عدد القتلى والجرحى الذي تكبّده لبنان والحزب، وفي الخسائر الاقتصادية. لا ضرورة للحديث عن الكرامة مع كل ما نراه من ذلّ يتعرض له النازحون وصوت المسيرات فوق العاصمة…» وفق تعبيره. بمعنى آخر، يقول الوزير إياه، إن حزب الله سيحصل برعاية أميركية إيرانية على تعويض بإطلاق يديه في لبنان.

عملياً، يبدو موقف هؤلاء غير متصل بالبُعد الوطني الذي يروّج بأنه أساس قيام الدولة. والتفاوض مع العدو الإسرائيلي هو أحد الأمثلة. ففيما النقاش لا يزال دائراً بشأن الجهة التي أتت باتفاق إطلاق النار، سواء كانت إيران، أم اتصال الرئيس جوزف عون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومواقف رئيس الحكومة نواف سلام، لا يبدو أن هناك أي نقاش بشأن المصلحة الوطنية في خيارات التفاوض. «لا نريد أن تفاوض إيران عن لبنان. هذا أيضاً موقف الرئيسين عون وسلام» يقول الوزير.

بهذه الخلفية، انطلقت المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي، ولكن العدو لم يمنحهم وقف إطلاق النار في الجلسة التي حضرتها السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض. يُترك السؤال عن الأفضلية الوطنية غائباً عن سردية التقسيميين، بمعزل عن رغبة كل طرف في التموضع تحت هذه الراية أو تلك.

فالمصلحة الوطنية في التفاوض يفترض أن تدرس مسار قيام الدولة في سياق عملية جارية لإعادة ترتيب الإقليم برمّته. هل المصلحة في التقسيم – الفدرلة؟ ما العلاقة المفترضة لدولة لبنان – ما بعد الترتيب الجديد للإقليم – مع سوريا؟ ما المصلحة مع إيران؟ ما المصلحة مع السعودية؟

ثمة الكثير من الأسئلة التي لا يجيب عليها الوزير، باستثناء إقراره، خلافاً لكل قرارات الحكومة بتجريم أعمال حزب الله، بأن مسار باكستان سيؤثّر مباشرة على لبنان سواء كانت الحكومة حاضرة هناك أو غائبة. فالاتفاق الإيراني الأميركي في باكستان والمرتقب منه، حاضر في ذهن هؤلاء خوفاً من إطلاق أيدي حزب الله في لبنان.

لا أحد يفهم فعلياً لماذا يرفض أعداء المقاومة أن يكونوا حاضرين في مسار تفاوضي يعيد ترتيب الإقليم، وأن يتقوقعوا في مسار التفاوض المباشر مع العدو؟ والواقع، أنه ليس لدى هؤلاء أي رؤية لوضعيتهم في هذا المسار أو ذاك، بمعزل عن أوراق القوّة. والمشكلة أنهم في سياق تبرير هذا العجز، يستعيدون خطاباً مبسّطاً لتبرير مواقفهم: «نريد أن نعيش بسلام.

هم يريدون الموت. قرروا أن ينتحروا جماعياً… حان وقت الطلاق. القوات ومعها غالبية المسيحيين يؤيّدون ذلك». ولا ينكر بعضهم أنه يسمع بشأن تقاطعٍ ما بين إيران ودول الرباعية السنية (باكستان، مصر، تركيا، السعودية) على مواجهة التوسّع الإسرائيلي الذي أدخل المنطقة في حرب مدمّرة (بشكل أوسع)، ولا يزال يشكّل خطراً كبيراً. يستدعي الأمر سؤالاً من نوع آخر: ماذا يفعل أهل الجنوب في مواجهة العدو؟ تأتي الإجابة بالتبسيط نفسه: «نحن كنّا ضدّ الفلسطينيين»! لكُم أن تتخيّلوا وصفاً لهذا التبسيط.

الواقع، أن التقسيميين ليس لديهم أي استراتيجية أو رؤية، باستثناء بضعة شعارات موروثة لا قيمة فعلية لها. فأيّ دولة يريدون أن يبنوا وما سياساتها الداخلية باستثناء «نزع السلاح» و«السلام مع إسرائيل»؟ لم تكن مدة الـ15 شهراً الماضية سوى نموذج لاستمرارية أكثر من 30 سنة من النهج نفسه في قيادة لبنان نحو الإفلاس. قوى السلطة تعاملت مع الانهيار المصرفي والنقدي، كأنه أزمة عابرة؟

قرّروا أن يدفعوا 20 مليار دولار على الدعم وتغاضوا عن «تبخّر» 140 مليار دولار من ودائع الناس. بالطريقة نفسها، «تبخّرت» تعويضات الآلاف من الأُجراء والمعلمين والمهندسين والأطباء وسواهم، في صندوق الضمان وفي صناديق النقابات. ثلاثة عقود من تبديد المليارات من دون أن يحصل المقيمون على استشفاء مجاني، وليس لديهم شبكات نقل وطرقات ووسائل نقل متعدّدة الطبقات من القطار إلى المترو والباصات. ثم في النهاية هاجر أكثر من 800 ألف من الشباب خلال السنوات العشر الأخيرة، أليس أمراً لا يستحق بناء الدولة على أساسه؟

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img