
| عمر نشابة |
كيف يمكن للمحكمة الجنائية الدولية (التي يطالب البعض بانضمام لبنان إليها) أن تطبّق ولايتها عندما يتواصل الفاعلون السياسيون مع أشخاص مُلاحقين قضائياً من قبلها؟
المحكمة الجنائية الدولية أصدرت أوامر اعتقال في سياقات متعدّدة بحق مسؤولين سياسيين وعسكريين، من بينهم رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (في أيار 2024)، وذلك ضمن إطار نظام روما الأساسي الذي يهدف إلى محاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية.
وتلاحق المحكمة نتنياهو بسبب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها في قطاع غزة وأدّت إلى قتل عشرات آلاف البشر وتجويعهم واغتصابهم وتعذيبهم.
من حيث المبدأ، يُفترض أن تؤدي أوامر المحكمة باعتقال نتنياهو إلى تقييد حركته وعزله دبلوماسياً ودفع كل الدول إلى التنسيق في ما بينها من أجل توقيفه وتسليمه إلى نظارة المحكمة في لاهاي تمهيداً لمحاكمته. لكنّ «صديق لبنان» الرئيس الأميركي دونالد ترامب (بحسب الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية جوزيف عون) هدّد القضاة الدوليين وفرض عقوبات عليهم بسبب تجرُّئِهم على إصدار مذكّرات التوقيف ضد نتنياهو.
صحيح أن التفاوض بحد ذاته لا يوقف مفاعيل المذكّرة القانونية الصادرة عن المحكمة الدولية بحق نتنياهو، ولا ينص القانون الدولي على أن التواصل السياسي مع شخص مطلوب أمام المحكمة يشكل بحد ذاته انتهاكاً للقانون أو يعطّل الولاية القضائية، لكن كلّما توسعت قنوات التواصل السياسي مع هذا الطرف، تراجعت العزلة السياسية التي يُفترض أن ترافق وضعه القانوني.
إن تواصل رئيس الجمهورية اللبنانية أو أيّ من ممثليه أو مندوبيه مع نتنياهو أو من يمثّله وينوب عنه يُعدّ تساهلاً في التعامل مع الجرائم الخطيرة التي ارتكبها ويواصل ارتكابها نتنياهو في فلسطين المحتلة وفي جنوب لبنان.
المشكلة الأساسية هنا ليست قانونيّة، بل تتعلق بفعّالية العدالة الدولية ومكانة المحاكم الدولية. فالمحكمة الجنائية الدولية، رغم ولايتها الواسعة، لا تمتلك قوة تنفيذية مستقلة، وتعتمد على تعاون الدول في الاعتقال والتنفيذ. وبالتالي، فإن أي انخراط سياسي مع طرف مطلوب يُضعِف مسار ملاحقته قضائياً خصوصاً إذا تم تقديم هذا الطرف (نتنياهو) كجزء من مسار تسوية أو تفاوض إقليمي برعاية أميركية.
أضف إلى ذلك أن قبول الدولة اللبنانية بأي تسوية مع العدو الإسرائيلي قد يمنع ضحايا الجرائم الإسرائيلية في لبنان من اللجوء إلى المحاكم لتحصيل حقوقهم أو أنه سيُضعِف حجة لبنان بالدفاع عن حقوقه. كما أن العدو الإسرائيلي سيصرّ خلال المفاوضات على منع حق عودة الفلسطينيين، وعلى توطينهم في لبنان.
الرئيس نواف سلام، الذي كان قد شغل منصب رئيس محكمة العدل الدولية، يُفترض أن يعلم أن نتنياهو المطلوب قضائياً، ليس مجرد طرف سياسي عادي، بل هو، وفق منطق (زملائه السابقين) القضاة في المحكمة الجنائية الدولية، متهم بجرائم خطيرة تستوجب مثوله فوراً أمام العدالة في لاهاي لا أن يتواصل مع المسؤولين اللبنانيين ويتفاوض معهم.
وبالتالي، فإن الإتاحة لنتنياهو باستمراره في أداء دور دبلوماسي أو تفاوضي تؤدّي إلى صدام بين الحسابات السياسية والرضوخ للضغط الأميركي مقابل التمسك بشرعية وأحقية الملاحقة القضائية. وفي الحالة اللبنانية/ الإسرائيلية يكتسب هذا التوتر بعداً إضافياً لأن لبنان في حالة نزاع تاريخي مع الكيان الإسرائيلي التوسّعي، ما يجعل أي مفاوضات معه ذات حساسية سياسية عالية. وعندما يتزامن ذلك مع وجود مذكّرات توقيف دولية، يصبح السؤال ليس فقط عن جدوى التفاوض تحت النار، بل عن أثره السلبي تجاه منطق العدالة الدولية نفسه.
إن إدخال طرف مطلوب قضائياً في مسار تفاوض سياسي يؤدّي إلى تقليص فعّالية المُساءلة الدولية. فالعدالة الدولية ليست مجرّد إصدار مذكّرات توقيف وأوامر اعتقال، بل العمل على تنفيذها من خلال الضغط والعزلة السياسية.
إن سير الرئيسين عون وسلام نحو التفاوض مع حكومة نتنياهو لا يؤدّي فقط إلى تسهيل إفلاته من الملاحقة القضائية، بل يدفعه إلى ارتكاب جرائم مضاعفة بحق اللبنانيين والفلسطينيين. لماذا؟ لأن مقابل كل جرائمه، يحصد نتنياهو «سلاماً» (لشخصه) ويفلت من العقاب.













