| غاصب المختار |
أحاط تأجيل زيارة رئيس الحكومة نواف سلام، إلى الولايات المتحدة الأميركية كثير من الالتباسات والغموض، وأحياناً التناقض، في شرح أسباب التأجيل وما قيل عن “تفهّم أميركي” له. بين تسريبة من الإعلام العبري تفيد بأن سلام “يخشى انقلاباً عليه من حزب الله للإطاحة به”، وتسريبة ثانية تقول إنه يخشى “فخاً أميركياً لفرض لقاء مباشر بينه وبين مسؤول إسرائيلي في واشنطن”، وثالثة تشير إلى أنه أجّل الزيارة لمتابعة الوضع في بيروت بعد التحركات الشعبية أمام السرايا الحكومية احتجاجاً على سياسته في التفاوض المباشر مع كيان الاحتلال وبرعاية أميركية.
وبدا أن سلام يخشى، ضمنياً، ما حصل للرئيس فؤاد السنيورة من حصار للسرايا عند استقالة ثلث الحكومة في عهد الرئيس إميل لحود، وبقي متمسكاً بها، ممارساً صلاحيات عادية لا صلاحيات تصريف أعمال. أو ما حصل للرئيس سعد الحريري عند زيارته واشنطن عام 2011 ووصوله إلى عتبة البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث أعلن ثلث أعضاء الحكومة (11 وزيراً) استقالتهم منها، ففقدت دستوريتها، فدخل البيت الأبيض رئيساً للحكومة وخرج منه رئيس تصريف أعمال!
لا شك أن أداء رئيس الحكومة، وبدعم من رئيس الجمهورية، في التعامل مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية، يثير الكثير من الاعتراضات، نظراً لعدم وضع سقوف ثابتة بلا تنازلات للتفاوض مع الاحتلال، عدا الذهاب إلى تفاوض مباشر وبرعاية أميركية لا دولية كما كان يُطرح، ما يعني تغييب أي شاهد دولي محايد ونزيه عمّا يمكن أن يتم الاتفاق عليه، وما يمكن أن تقدم عليه حكومة الاحتلال من خروقات لأي اتفاق، كما حصل منذ اتفاق تشرين الثاني 2024.
وعليه، فإن تأجيل الزيارة ربما يكون خطوة ضارّة – نافعة، لعدم اتضاح أي ضمانات يمكن أن تقدمها الإدارة الأميركية غير النزيهة في التعامل مع الوضع اللبناني، وما يمكن أن تفرضه بالترهيب والتهديد والوعيد تحت عصف العدوان الإسرائيلي المتواصل، والكلام عن عدم الانسحاب من لبنان قبل التخلص من سلاح المقاومة بشكل نهائي في كل لبنان، ثم الذهاب إلى تسوية سليمة، إن لم يكن اتفاق سلام وتطبيع.
وجاءت الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية على قوات “اليونيفيل” في الجنوب، واستهداف الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وسقوط العديد من الشهداء والجرحى بين عناصرها، لتؤكد أن كيان الاحتلال والإدارة الأميركية لا يسعيان فعلاً إلى حل متوازن يضمن مصالح لبنان وسيادته على أرضه وتحريرها، بل ذهبا إلى حدود الضغوط القصوى، بما يضمن بالدرجة الأولى مصالح كيان الاحتلال عبر التفاوض تحت النار. ثم إن الذهاب إلى التفاوض المباشر، من دون موافقة أميركية وإسرائيلية على مطالب لبنان، يُخفي توجهاً لفرض حلول واتفاقات لا تلبي مصالح لبنان الوطنية.
غداً لناظره قريب، عندما تُعقد جولة المفاوضات الأولى في واشنطن، وما هو طيّ الكتمان حالياً ستنكشف تفاصيله لاحقاً، وسيظهر ربما التناقض والاختلاف بين ما يقدمه لبنان وما يمكن أن يقدمه كيان الاحتلال، وخصوصاً وسط تأييد أميركي للوفد الإسرائيلي أكثر من الوفد اللبناني.














