السبت, فبراير 21, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةأمن و قضاءعنف بطيء عبر بنية تحتيّة سامّة

عنف بطيء عبر بنية تحتيّة سامّة

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جنى مداح |

إلى جانب العنف المرئي والمباشر الذي نعيشه مع قصف البيوت واستهداف الأجساد، تعمل آلة القتل الإسرائيلية على إطلاق شكل آخر من التدمير غير المرئي، أو ما يسمّيه روب نيكسون «العنف البطيء»؛ عنف مؤجَّل، يتراكم ويمتدّ عبر الزمن والمكان. هذا العنف لا ينتهي بانتهاء الغارة، بل يتسلّل تدريجياً إلى التربة والمياه والمحاصيل وأجساد الناس، ليظهر بعد سنوات على شكل أمراض، واستنزاف بيئي، وأذى يطاول استمرارية الحياة.

في حربها الأخيرة على لبنان وعدوانها المستمرّ، أحرقت إسرائيل ما لا يقلّ عن 10,800 هكتار من الأراضي، ودمّرت ما لا يقلّ عن 1,200 هكتار من غابات السنديان والصنوبر. لوّثت التربة بالفوسفور الأبيض والمبيدات، وبذرت في الهواء الرصاص والزرنيخ والكادميوم بفعل الغارات المكثّفة، ومسحت أكثر من 100 ألف وحدة سكنية. نمط الحرب الممنهج هذا يُحدِث شرخاً بنيوياً في النظام البيئيّ ويؤسّس لما يمكن تسميته «بنية تحتية سامة»، حيث يتحوّل التلوّث إلى حالة دائمة، بيئية وبيولوجية، تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

لم تُرصد إلا دراسات قليلة كيف استقرت بقايا الأسلحة والسموم، التي تشبّعت بها التربة جرّاء الحروب الإسرائيلية السابقة، في أراضي وأجساد أبناء الجنوب. توثّق فاسيليكي توهوليوتيس في مقال بحثي صدر عام 2018، أنه بعد ست سنوات على حرب تموز 2006، كان الأهالي ما زالوا «يحمّلون بقايا الأسلحة الإسرائيلية مسؤولية تلويث أراضيهم، وتراجع إنتاج محاصيلهم، وانتشار الأمراض في مجتمعهم».

تحدّث المزارعون عن تبغ وحمضيات وزيتون «لم تعد تعطي كما قبل الحرب»، ووصف أهالي القرى السرطان بأنه «صار فجأة في كل مكان». كما تحدّثوا عن أثر بقايا الأسلحة على المجال الإنجابي، ومثّلت الباحثة ذلك في استعارة «البذرة الضعيفة»، حيث تتضرّر الأرض والنَّسل معاً: تربة تعطي أقل، وأجساد تكافح من أجل الاستمرار.

اليوم، العائلات التي تعود إلى حقولها المتضرّرة جرّاء القصف، تعيش مجدّداً هذا القلق من العنف «غير المرئي» الذي لم يظهر بعد.
يقول جاد، وهو مزارع جنوبيّ دُمّر منزله في الحرب الأخيرة ويستأجر اليوم بيتاً قرب قريته الحدودية: «عدتُ مدرّعاً بالقفازات والكمامات، إضافة إلى كل الدراسات التي قرأتها عن التلوّث الناجم عن الحرب». يصف نفسه أنه أصبح «مهووساً» باتخاذ الاحتياطات.

لكنّه بعد فترة بدأ يختبر فعليّاً «حدود ما يستطيع الفرد الواحد فعله أمام حجم الدمار الكبير». هذا الاستنفار الدائم، وكأنّ على المزارع أن يتحوّل إلى مختبر متنقّل على أرضه، أمر يصعب تحقيقه عملياً، فضلاً عن كونه عبئاً عبثياً. عندما يصبح حرث الأرض أو لعب طفل في الحقل احتمالاً للتعرّض للتلوّث، تتحوّل مهمّة الحماية إلى عبءٍ يوميّ مرهق لا ينتهي، ويصير البقاء في الأرض مجرّد فعل يوازي الإخلال بحماية النفس. يقول جاد: «إذا تركت هذا الحمل كلّه على كتفيك، فيتحوّل إلى قوّة شلّ تدفعك في النهاية إلى الرحيل، وهذا بالضبط ما يريدونه».

يضاف أنّ الحجم الحقيقي للضرر لا يزال مجهولاً. يشرح جاد أنّ قياس مستوى التشبّع الكيميائي في التربة يحتاج إلى موارد هائلة، وفحوصات مخبرية مكلفة تميّز بين تلوّث المعادن الثقيلة في ركام البيوت وتسرّب المبيدات الصناعية في السهول الزراعية. هذه مهمّة تتطلّب أجهزة دولة، لا أفراداً.

ولهذا، فإنّ القلق من هذا العنف البطيء – خاصة في ظل استمرارية العدوان- يُعدّ ترفاً، ويقتضي البقاء رفض تحمّل هذا العبء على نحو فردي، لأنّ البيئة في جوهرها واقع جماعي متشابك لا يتجزّأ. التربة لا تُختزل بقطعة أرض، والضرر لا يبقى محصوراً في الحقل المحروق، بل ينتقل إلى المحاصيل، ومنها إلى مجرى الدم. ما يترسّب في الأرض يعود ليظهر في الرئتين، وفي الأجساد، وفي تحوّلات بطيئة تمسّ شروط الحياة نفسها.

انتقال السموم من التراب إلى الجسد يكشف أنّ المُستهدف ليس مجرّد جغرافيا، بل الاستمرارية الحيوية لمجتمع بأكمله. ووفق هذا المنطق، لا يعود المجتمع المُستهدف هو مجتمع الجنوب وحده، لأن ما يتسرّب من أرضه لا يبقى داخل حدوده، بل يدخل في الدورة البيئية والحيوية الأوسع التي تطاول البلاد كلها.

ولهذا، فإنّ الحقل المسموم ليس قضية مزارع واحد فحسب، بل هو نتيجة مسار أوسع من الإهمال والتخلّي. ومع ذلك، تواصل الدولة اللبنانية التنصّل من دورها، سواء في الجنوب أو في سائر المناطق. هذا التخلّي بنيوي في جوهره، إلا أنّ بنيويّته لا تمنحه ذريعة ولا توفّر له حصانة، ولا سيّما في لحظة تكون فيها البلاد كلّها على المحك. فهو، في المحصّلة، يشكّل الأرضية التي تُسهِّل الإبادة البيئية الاستعمارية وتمنحها شروط استمرارها. يلجأ المزارعون أنفسهم إلى استخدام الغليفوسات، وإن بأشكال وتركيزات مختلفة، بما يكشف كيف تشكّلت المعرفة والممارسة الزراعية، منذ زمن، ضمن منطق استعماري يُعاد إنتاجه من الداخل.

قبل الحرب الأخيرة، كانت لدى جاد خطط -وحديقة- ليجرّب مبادرات زراعية تحرّرية، بما في ذلك بدائل من الاعتماد على المواد الكيميائية مثل الغليفوسات. استعادة تلك الفترة اليوم تبدو بحدّ ذاتها فعل مقاومة صغيراً. فمحو الذاكرة وتآكلها يُعدّان شكليْن آخريْن من العنف البطيء الذي تسبّبه حرب الإبادة.

اليوم، ما يبقى ملحاً هو الحاجة إلى مبادرات جماعية تواجه تلوّث الأرض والتخلّي البنيوي للدولة الذي يسمح باستمراره. مواجهة التربة المسمومة هي مواجهة الدولة التي تركت ناسها يتحمّلون هذا التسمّم وحدهم.

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img