كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تورّط الرئيس الأميركي دونالد ترامب في صفقة سرية بقيمة 500 مليون دولار بدعم من مسؤول حكومي في الإمارات، قبل أربعة أيام فقط من تنصيب ترامب لولايته الثانية.
وتناولت الصحيفة، في مقال للكاتب نيكولاس كريستوف، فساد ترامب وعائلته، وكيف تربّح أكثر من أي رئيس أميركي من جلوسه في البيت الأبيض. وقال إن أحدا لا يمكنه منافسة ترامب في هذا المجال.
وأضافت: “يعتبر الرئيس ترامب فريداً في التاريخ الأميركي من ناحية واحدة: لم يسبق لأي من أسلافه أن استغل الرئاسة لتحقيق مكاسب مالية كما فعل هو”.
وتعتبر فضيحة “تي بوت دوم” في عهد الرئيس وارن هاردينغ، وأموال ريتشارد نيكسون السرية خلال فضيحة ووترغيت، وكأنها من عمل طلاب في المدرسة الثانوية، مقارنةً بثقافة الفساد الحالية.
وأكدت “نيويورك تايمز” أن سيل الفضائح كان هائلاً، حيث قدرت ـ وإن بشكل متحفظ ـ أن عائلة ترامب قد حققت أكثر من 1.4 مليار دولار من المكاسب الموثقة من خلال استغلال ولايته الرئاسية الثانية، فيما تقدر الثروة مصادر أخرى بأرقام أعلى.
أضافت الصحيفة: “أن هذا يتضاءل أمام المفاجأة الأخيرة: صفقة سرية بقيمة 500 مليون دولار بدعم من مسؤول حكومي في الإمارات، قبل أربعة أيام فقط من تنصيب ترامب لولايته الثانية”.
وأشار كريستوف إلى ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، والتي أشارت إلى أن الإماراتيين اشتروا، عشية تنصيب ترامب، نسبة 49% من شركة عملات رقمية تابعة لعائلة ترامب مقابل 500 مليون دولار.
واعتبرت الصحيفة أنه من الصعب فهم سبب دفع أي شخص مبلغاً طائلاً مقابل شركة ناشئة، إلا إذا كان الهدف هو إثراء عائلة ترامب. وفي الواقع، ذهبت معظم الأموال إلى عائلة الرئيس الأميركي بالفعل، لكن بعضه وصل إلى عائلة ستيف ويتكوف، أحد مالكي المشروع.
وكان ترامب قد اختار ويتكوف ليكون المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط.
وأوضحت “نيويورك تايمز” أن عملية الشراء حظيت بدعم الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات، مشيرة إلى أن الشيخ طحنون يُعرف بـ”الشيخ الجاسوس”، وهو شقيق رئيس دولة الإمارات. أضافت أنه علاوة على ذلك، أودع صندوق مدعوم إماراتياً ملياري دولار في شركة “وورلد ليبرتي”، مما يدر دخلاً يتوقع أن يصل إلى عشرات الملايين من الدولارات سنوياً كأرباح إضافية.
وأشارت الصحيفة إلى أنه “لطالما سعت الإمارات للحصول على أعداد كبيرة من رقائق الكمبيوتر المتطورة من الولايات المتحدة، لكن المسؤولين الأمنيين الأميركيين رفضوا منحها الإذن خشية وصول بعضها إلى الصين، التي تربطها بالإمارات علاقات وثيقة”.
وأوضحت أن “القلق كان يتمحور حول أن نقل الرقائق قد يقوّض ريادة أميركا في تطوير الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، بعد فترة وجيزة من ضخ الأموال من الإمارات إلى عائلة ترامب، وافقت إدارة ترامب على تصدير مئات الآلاف من الرقائق المتطورة إلى الإمارات”.
وفي تحقيق مهم لصحيفة “نيويورك تايمز” العام الماضي، كشف أن مفاوضات الرقائق الأميركية تداخلت مع أعمال شركة “وورلد ليبرتي”. ولم يكن هناك دليل على وجود صفقة متبادلة صريحة، كأن يقول أحدهم: “اكتب لي شيكاً، وسأعطيك الرقائق”، لكن التحقيق أثار تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت قرارات الأمن القومي الأميركي تتأثر بمصالح ترامب التجارية.
وتزيد هذه المعلومات الأخيرة من إشكالية الوضع. فقد استثمرت المبالغ سراً، ويبدو أنها أقرب إلى تحويل أموال منها إلى معاملة تجارية عادية. كما تثير هذه المعاملة، بحسب “نيويورك تايمز”، سؤالين جوهريين:
أولاً، هل دفع قرار الإماراتيين بإثراء عائلة ترامب، الإدارة الأميركية إلى الموافقة على مبيعات رقائق إلكترونية تعرّض القدرة التنافسية والأمن القومي الأميركي للخطر؟
ثانياً، هل اشترت الاستثمارات الإماراتية صمت ترامب بشأن دور الإمارات في دعم ميليشيا تتهمها الولايات المتحدة بارتكاب إبادة جماعية في السودان؟
لقد لقي مئات الآلاف حتفهم هناك، وتعرضت أعداد هائلة للاغتصاب، ومع ذلك غضّ ترامب الطرف. وفي ظل هذا الصمت، يستمر القتل والاغتصاب والتعذيب.
ووصف السناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، كريس مورفي، الاستثمار الإماراتي في شركة “وورلد ليبرتي” بأنه “مذهل”، وقال إنه “صفقة سرية لإثراء ترامب مقابل تسهيلات تتعلق بالأمن القومي”. وأشارت السناتور الديمقراطية عن ولاية ماساتشوستس، إليزابيث وارين، إلى أن مسؤولي الإدارة “باعوا الأمن القومي الأميركي من أجل مصلحة شركة الرئيس للعملات المشفرة”.
ودعت وارين، إلى جانب السناتورات الديمقراطيين: كريس فان هولين، عن ولاية ماريلاند، وآندي كيم عن ولاية نيوجيرسي، وإليسا سلوتكين عن ولاية ميشيغان، إلى إلغاء مبيعات الرقائق الإلكترونية للإمارات. لكن جميع هؤلاء السناتورات ديمقراطيون، بينما يلتزم قادة الحزب الجمهوري الصمت.
وبالإضافة لـ500 مليون دولار، فهناك مبالغ إضافية، حيث ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن “مؤسسة وورلد ليبرتي حققت لعائلة ترامب ما لا يقل عن 1.2 مليار دولار نقدا خلال الستة عشر شهراً الماضية منذ إطلاقها، من دون احتساب مكاسب ورقية لا تقل عن 2.25 مليار دولار من استثماراتها في العملات الرقمية”.
وينفي البيت الأبيض ومؤسسة “وورلد ليبرتي” اتهامات الفساد. ويزعمون أن ترامب نفسه لم يكن متورطاً في القرارات المتعلقة بالشركة، (إذ وقع إريك ترامب على وثائق الصفقة)، وأن الاستثمارات لم تكن مرتبطة بالموافقة على بيع الرقائق الإلكترونية للإمارات. وصرح ديفيد وارينغتون، مستشار البيت الأبيض، بأن ترامب التزم بالمبادئ الأخلاقية، وأن أي ادعاء بخلاف ذلك سيكون “إما نابعاً من جهل أو من خبث”. كما نفى البيت الأبيض وجود أي مخالفة في عفو ترامب في تشرين الأول/أكتوبر عن تشانغبينغ تشاو، مؤسس ومالك شركة “بايننس” للعملات الرقمية، بعد أن دعمت “بايننس” بقوة منتجاً لشركة “وورلد ليبرتي”، مما أدى إلى ارتفاع قيمته بشكل هائل.
أضاف كاتب مقال صحيفة “نيويورك تايمز”: “خلال مسيرتي المهنية، رأيت فساداً مذهلاً في أماكن كثيرة. من بينها السيدة الأولى الإندونيسية السابقة، مدام تيان، المعروفة باسم “مدام تيان المئوية”، وأخبرني صديق صيني، ابن عضو في المكتب السياسي، أنه كان يتقاضى مئات الآلاف من الدولارات سنوياً من دون أن يقوم بأي عمل لصالح شركة، حتى تتمكن الشركة من استخدام اسمه للفوز بصفقات أراض. ولم أتوقع أبداً أن أرى شيئاً كهذا في أميركا، لكن هذا ما يحدث في ظل الأنظمة الاستبدادية”.
وتابع: “لنتوقف لحظة. عندما فاز الرئيس أوباما بجائزة نوبل للسلام، حققت وزارة العدل في إمكانية قبوله لها. ويحظر الدستور والقانون على أي مسؤول قبول أي هدية أو منفعة من أي دولة أجنبية. وقد أقرت وزارة العدل منحه الجائزة فقط لأنها لم تمنح من النرويج نفسها، بل من قبل جهة نرويجية خاصة، وقد أوضح المحامون أنه إذا كان مصدر المال من الحكومة، فلا يجوز للرئيس قبوله”.
وسأل الكاتب في “نيويورك تايمز”: “إذا كان قبول جائزة نوبل للسلام الممولة من الدولة مخالفاً للدستور، فكيف يسمح لهذا الرئيس بجني أموال طائلة من زعيم أجنبي؟ متى سنثور على ثقافة الفساد هذه؟”.













