
| ريم هاني |
في أعقاب سنوات من «المماطلة» الأميركية في التوصّل إلى معاهدة تستبدل «نيو ستارت»، انتهت صلاحية الأخيرة بلا أي بديل مضمون يمنع التوسّع النووي، وهو ما من شأنه إدخال العالم في مرحلة قد تكون الأخطر منذ عام 1972.
مع انتهاء صلاحية معاهدة «نيو ستارت» للحدّ من انتشار الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، ومطالبة الأخيرة، على لسان رئيسها دونالد ترامب، بـ«اتفاقية مُحسَّنة ومُحدَّثة وطويلة الأمد» تستبدلها، يصبح العالم، للمرّة الأولى منذ عام 1972، خالياً من أيّ قيود على الأسلحة النووية الاستراتيجية.
وعلى الرغم من أن مبعوثَي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، أجريا مفاوضات في شأن «نيو ستارت» مع المسؤولين الروس، وذلك على هامش المحادثات المتّصلة بالأزمة الأوكرانية في أبو ظبي، والتي أعرب خلالها الطرفان عن نيتهما «الالتزام بروحية المعاهدة»، إلا أنّه لم يتمّ، حتى اللحظة، توقيع أيّ اتفاق رسمي في هذا الصدد.
وفيما أعلنت إدارة ترامب استئناف الحوار العسكري الرفيع المستوى، المُعلّق منذ ما قبل بدء الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022، مشيرةً إلى أن قائد القيادة الأميركية الأوروبية، الجنرال أليكسوس جرينكويتش، سيلتقي بنظرائه الروس بشكل منتظم، نفت المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، وجود «أيّ معلومات» حول التوصّل إلى اتفاق «مؤقّت» لسدّ الفراغ، مشدّدةً على ضرورة التوصّل إلى «معاهدة استراتيجية جديدة».
كذلك، ووسط إصرار روسي رسمي على التوصّل إلى اتفاق «مكتوب»، اعتبر مسؤول أميركي، في تصريح إلى موقع «أكسيوس»، أخيراً، أن أيّ اتفاق يجب أن يتمّ على طريقة «صفقة المصافحة»، في إشارة إلى تفاهم غير مُلزِم سياسياً، متذرّعاً في ما تقدّم، بأن تمديد «نيو ستارت» غير مسموح به من الناحية الفنية.
ويستند المسؤول الأميركي في رأيه هذا، إلى واقع أن المعاهدة الأصلية التي وُقّعت عام 2010 كانت تمتدّ على 10 سنوات، مع إمكانية التمديد لـ«مرّة واحدة فقط لمدّة 5 سنوات»، وهو ما حصل، بالفعل، عام 2021، عندما وافق الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، على تمديدها حتى الخامس من شباط 2026. بيد أن الفشل في تجديد المعاهدة ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج سنوات من الانهيارات في الجهود الدبلوماسية ومساعي السيطرة على الأسلحة، والتي تسبّبت بها، بشكل رئيسيّ، سياسات الإدارات الأميركية، وتحديداً تلك التي تتبنّاها إدارة ترامب، ولا سيما أن بوتين كان قد اقترح، سابقاً، تمديد العاهدة لفترة قصيرة، وهو ما رفضته واشنطن.
والأربعاء، أعربت وزارة الخارجية الروسية، في بيان شديد اللهجة، «عن أسفها» لأن «أفكار الجانب الروسي تُركت، عمداً، من دون إجابات». وممّا يزيد الوضع تعقيداً، اليوم، اشتراط الولايات المتحدة إدخال الصين في أيّ معاهدة جديدة.
«الانحدار»
في الواقع، وفي الفترة التي سبقت تاريخ انتهاء الصلاحية الأصلي للمعاهدة في عام 2021، ساد قلق بالغ من احتمال فشل الولايات المتحدة وروسيا في التوصّل إلى اتفاق بشأن التمديد، ولا سيما أن ترامب لم ينخرط في عدد كبير من المناقشات «المثمرة» في هذا الصدد مع روسيا، خلال ولايته الأولى. وفي الأشهر الأخيرة من عام 2020، اقترح ترامب تمديداً قصير الأمد مشروطاً بموافقة روسيا على إجراءات تحقّق جديدة وتجميد للرؤوس الحربية، وهو ما رفضته موسكو.
وفي اللحظة الأخيرة، وبعد أسبوعين فقط من تنصيبه، وافق جو بايدن على تمديد المعاهدة لمدّة خمس سنوات كاملة. آنذاك، وصف أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، عام 2023، قرار بايدن بتمديد الاتفاقية بـ«الساذج»، مجادلين بأنه «لا يمكن الوثوق بروسيا»، في وقت شهد فيه وضع «نيو ستارت» تدهوراً أكبر في أوائل العام نفسه، وذلك عندما أعلن بوتين أنه سيعلّق مشاركة بلاده في المعاهدة، في حال لم تنهِ الولايات المتحدة دعمها لأوكرانيا، وتُشرِك فرنسا والمملكة المتحدة في محادثات الحدّ من التسلح. وكجزء من هذا التعليق، أوقفت روسيا تبادل البيانات والإخطارات ومعلومات القياس عن بُعد، وهو ما دفع الولايات المتحدة لاحقاً إلى اتّخاذ إجراءات مضادّة متبادلة.
على أنه وعلى الرغم من اعتبار واشنطن تصرفات موسكو بمثابة عدم امتثال لمتطلّبات المعاهدة، إلا أن تقارير وزارة الخارجية المتعاقبة التي أعقبت قرار التعليق، قدّرت أن «روسيا لم تنخرط في أيّ نشاط واسع النطاق يتجاوز حدود المعاهدة». ومع ذلك، ذكر تقرير الامتثال لعام 2024 أن «روسيا كانت على الأرجح قريبة من الحدّ المسموح به للرؤوس الحربية المنشورة خلال معظم فترات العام، وربما تجاوزته بعدد قليل خلال فترات معيّنة من عام 2024». وفي أيلول 2025، أعلن الكرملين أن «روسيا مستعدّة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية المركزية للمعاهدة لمدة عام واحد بعد 5 شباط 2026»، من دون المزيد من عمليات التحقّق. وأتى الردّ الأميركي على ذلك الأحد الماضي، عندما قال ترامب، في حديث إلى الصحافيين، إن هذا الاقتراح «يبدو فكرة جيدة»، إنما من دون اتّخاذ أيّ خطوات عملية لـ«إنقاذ» المعاهدة.
يُضاف إلى ما تقدّم، أن إقدام ترامب على تخفيض التمويل لوزارة الخارجية، ومكتب منع الانتشار النووي الدفاعي في وكالة الأمن القومي، ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية، يوحي بنية بتقليل الاستثمارات، ويضعف القدرة على تنفيذ الاتفاقية، حتى عندما تسمح البيئة السياسية بذلك.
في المقابل، يخصّص قانون ترامب «One Big Beautiful Bill» لعام 2025، ميزانية مهمة لإعادة تفعيل أنابيب إطلاق إضافية في الغواصات بدءاً من آذار 2026، وتطوير أسلحة إطلاق نووية، وغيرهما من الممارسات التي يمكن لاتفاقية الحدّ من الأسلحة تقييدها. وبصورة أعمّ، وفي حال عدم التوصّل إلى اتفاق واتّخاذ البلدين قراراً باستغلال أقصى طاقاتهما، فقد تتضاعف الترسانتان النوويتان لكلّ منهما تقريباً، علماً أنّهما يسيطران، معاً، على أكثر من 80% من الرؤوس النووية في العالم.
تمنّع صيني
اللافت، أن إدارة ترامب تتمسّك بشرط انضمام بكين إلى أيّ معاهدة نووية مستقبلية، وسط تمنّع صيني صارم عن مثل تلك الخطوة. وفي هذا السياق، شدّد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في حديث إلى الصحافيين الأربعاء، على أن «محادثات الحدّ من الأسلحة المستقبلية يجب أن تعالج الحشد العسكري الصيني»، مبيّناً أنه «من أجل تحقيق سيطرة حقيقية على الأسلحة في القرن الحادي والعشرين، من المستحيل القيام بعمل لا يشمل الصين، بسبب مخزونها الضخم والسريع النمو»، في حين أكّد ترامب أخيراً أنه «يريد استبدال (نيو ستارت) باتفاقية أفضل تشمل الصين».
ويأتي هذا في وقت يعارض فيه صنّاع السياسة في بكين، جملة وتفصيلاً، الانضمام إلى هكذا اتفاقيات، ويرون فيها محاولة لخنق قدرات الصين و«شرعنة» التفوّق الأميركي في هذا المجال؛ إذ إنه وعلى الرغم من أن الترسانة النووية الصينية تنمو بشكل أسرع مما هو قائم لدى أيّ دولة أخرى، بنحو 100 رأس حربي جديد سنوياً منذ عام 2023، وفقاً لـ«معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الصين تمتلك نحو 600 رأس حربي نووي، وهو أقلّ بكثير من الـ800 رأس التي يحق لكلّ من روسيا والولايات المتحدة امتلاكها، بموجب اتفاقية «نيو ستارت». والخميس، قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، في مؤتمر صحافي، إن «القدرات النووية الصينية مختلفة تماماً عن قدرات الولايات المتحدة وروسيا»، مؤكداً أن بلاده «لن تشارك في مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة».
«هلع» أوروبي
تعقيباً على انتهاء صلاحية المعاهدة النووية، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن اللحظة الراهنة «خطيرة للسلم والأمن الدوليين»، وحثّ واشنطن وموسكو على التوجّه بسرعة إلى طاولة المفاوضات.
وقال غوتيريش في بيان: «لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، نواجه عالماً بلا أيّ حدود ملزمة للترسانات النووية الاستراتيجية للاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأميركية»، مشيراً إلى أن تفكيك إنجازات تمّ العمل عليها لعقود يأتي «في وقت هو الأسوأ، نظراً إلى أن خطر استخدام سلاح نووي هو الأعلى منذ عقود». بالتوازي، تسعى بروكسل، وعلى الرغم من «المماطلة» الأميركية الواضحة، إلى تحميل كلّ من بكين وموسكو مسؤولية التصعيد النووي.
وفي هذا السياق، تنقل صحيفة «لو موند» عن مسؤول في «الناتو» قوله، إن «ضبط النفس والمسؤولية في المجال النووي أمر بالغ الأهمية للأمن العالمي»، وإن «روسيا والصين تعملان على تعزيز قدراتهما النووية»، في حين أن «الحلف» سيواصل اتخاذ «الخطوات اللازمة لضمان دفاعاته». وينبّه المسؤول إلى أن «الصين تواصل توسيع وتنويع ترسانتها النووية بسرعة بمزيد من الرؤوس الحربية وعدد أكبر من أنظمة الإطلاق المتطوّرة»، على حدّ تعبيره.













