
| رلى ابراهيم |
تقترب معراب والصيفي من إنجاز تحالف انتخابي شامل يُتوقّع أن يصبّ في مصلحة حزب الكتائب حصراً، ما يثير تساؤلات حول نسج حزب «القوات اللبنانية» لتحالف لا يُحقِّق له مكاسب سياسية، بل قد يتسبب له بخسائر.
قبل إقرار قانون الانتخابات الحالي القائم على النسبية والصوت التفضيلي، كان النظام الأكثري يدفع الأحزاب السياسية إلى نسج أوسع شبكة ممكنة من التحالفات، بما يضمن حصد أكبر عدد من المقاعد. أمّا مع اعتماد القانون النسبي، فقد تبدّل المشهد جذرياً، إذ فرّق بين الحلفاء وحوّلهم إلى خصوم مُحتملين، بل نقل التنافس إلى داخل اللائحة الواحدة. فبات المرشّح يرى في زميله على اللائحة منافسه الأوّل، قبل مرشّحي اللوائح الأخرى. وبات الفوز مرهوناً بقدرة كل مرشّح على جذب الأصوات التفضيلية لمصلحته، وصولاً في بعض الحالات إلى تواطؤ غير معلن مع الخصوم لإسقاط الحلفاء وزملاء في اللائحة نفسها.
وسط هذا الواقع، يبرز اليوم حديث جدّي عن تحالف انتخابي بين حزبَي «القوات اللبنانية» والكتائب في مختلف المناطق، يقوم على تشكيل لوائح موحّدة تضمّ مرشّحي الحزبين. وقد أكّد رئيس الأول، سمير جعجع، هذا التوجّه في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، مشيراً إلى أن المفاوضات بلغت مراحل متقدّمة. وكذلك رئيس الثاني، سامي الجميل، الذي أكد لـ«تلفزيون لبنان»، حصول «كلام جدّي» مع «القوات» ورئيسها، متوقعاً أن يتمكنا من «خوض المعركة معاً»، مع إشارته إلى أن «كل ما اختلفنا عليه سابقاً انتهى».
غير أن إسقاط هذا التحالف على الخارطة الانتخابية يفتح باب التساؤلات حول الفائدة التي قد تجنيها «القوات» من هذا التعاون، باستثناء مكسب سياسي افتراضي يتمثّل في محاولة «تدجين» الصيفي وضمّها تحت جناح معراب، بما يتيح لجعجع تكريس نفسه قائداً للشارع المسيحي. علماً أن استقطاب «الكتائب» وحدها لا يكفي لتحقيق هذا الهدف، في ظلّ استمرار قوى وشخصيات مستقلّة، كنعمة افرام وميشال معوض وحزب الوطنيين الأحرار وغيرهم، في التغريد خارج سرب معراب.
في المقابل، تُظهر الحسابات الانتخابية أن الصيفي مرشَّحة لتحقيق زيادة في عدد مقاعدها عبر تحالف كهذا، ما يعزّز الشكوك حول دوافع تقديم جعجع ما يشبه الهدايا المجانية إلى الجميل، برفع عدد أعضاء كتلته النيابية، من دون أن ينعكس ذلك مكسباً فعلياً لـ«القوات»، خصوصاً أن الصيفي ترفض أن تربح «جميلة» جعجع، وهي مقتنعة بأن الأصوات القواتية هي في الأساس أصوات كتائبية. ويُضاف إلى ذلك استحالة أن ينضم الجميل إلى تكتل «الجمهورية القوية»، على غرار النائب كميل شمعون، إذ من المؤكد أنه سيتنصّل من هذا التحالف في اليوم التالي للانتخابات.
ما سبق يوحي بأن هذا التحالف الهجين ليس سوى تكاذب مُتبادل بين الحزبين إلى حين اتّضاح الصورة الانتخابية، والتأكد من حصول الاستحقاق في موعده. فالواقع أن الصيفي حسمت قرارها في دائرة كسروان – جبيل بالتحالف مع النائبين نعمة افرام (أحد مموّلي أنشطة الصيفي) وفريد الخازن والنائب السابق فارس سعيد، برعاية رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي يتصرّف مع «الكتائب» على أنه حزب العهد. وهذا التحالف بات ثابتاً ويؤمّن للائحة ثلاثة مقاعد: ففي حال فاز سعيد بالمقعد الثالث عن قضاء جبيل إلى جانب افرام والخازن عن قضاء كسروان، سيُعدّ الأمر ربحاً كتائبياً لقرب سعيد من الجميل، ولأن النقاش يدور حول تفاهم يدخل بموجبه سعيد إلى كتلة «الكتائب» مع احتفاظه باستقلاليته.
أمّا في حال خسر سعيد، فسيكون الربح من نصيب مرشّح «الكتائب» في كسروان النائب سليم الصايغ. يعني ذلك أن التحالف سيؤمّن ربحاً للصيفي في الحالتين، بينما إذا تحالفت مع «القوات» سيكون الفوز من نصيب المرشح فؤاد منصور البون على حساب «الكتائب»، وستحتفظ معراب بالمقعدين المارونيين في كسروان وجبيل. وهذه هي العقدة الأبرز التي تحول حتى الساعة دون تكلّل التحالف القواتي – الكتائبي بالنجاح، إذ يصعب على الجميل فكّ ارتباطه مع افرام وسعيد، فيما تطمح «القوات» إلى استغلال الأصوات الكتائبية للفوز بمقعد ثالث.
لا مصلحة قواتية
وباستثناء كسروان – جبيل، لا منفعة قواتية من أصوات «الكتائب» في أيّ دائرة. ففي دائرة الشمال الثالثة، لا وجود فعلياً لـ«الكتائب» في البترون، بل أصوات تؤيّد النائب السابق سامر سعادة الذي ترك الحزب وسيترشّح على لائحة النائب ميشال معوض. وفي المتن الشمالي، يضمن هذا التحالف فوز «الكتائب» بحاصل ثانٍ مقابل انعدام أي فائدة قواتية. فمجموع أصوات الجميل ومرشّحه النائب إلياس حنكش لم يتعدَّ المرّة الماضية 16500 صوت، في حين أن الحاصل الانتخابي تخطّى عتبة الـ10 آلاف صوت.
أمّا «القوات»، فتملك حاصلين انتخابيين ويقود لائحتها النائب الكاثوليكي ملحم الرياشي وإلى جانبه النائب رازي الحاج عن المقعد الماروني وسمير صليبا عن المقعد الأرثوذكسي (ترشّح على لائحة «الكتائب» عام 2022 وحصد 3600 صوت). وبما أن معراب تسعى إلى تحقيق ربح ثالث، إلى جانب الرياشي والحاج، فإن أيّ تحالف مع «الكتائب» سينهي هذا الطموح وسيقتصر الربح على مقعدين لكل من الحزبين.
وفي بعبدا، لا قدرة لـ«الكتائب» على تأمين ربح بقوّتها الذاتية، لكنه سيؤمّن ربح مرشّحها غابي سمعان في حال التحالف مع «القوات». ويعود السؤال هنا حول منح جعجع للجميل هدية على شاكلة نائب إضافي، في وقت يمكنه المنافسة على مقعد ثانٍ، عبر إضافة مستقلّين إلى لائحته، كالمدير التنفيذي في صحيفة «لوريان لو جور» ميشال الحلو، الذي يمكن ضمّه إلى كتلة «الجمهورية القوية» خلافاً لـ«الكتائب».
وفي دائرة الشوف – عاليه، تدخّل رئيس الجمهورية لمصلحة «الكتائب»، كما في كسروان – جبيل، إذ طلب من الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ضمّها إلى لائحته، في محاولة لمنح الجميل مقعداً في الشوف، هو مقعد النائبة الحالية نجاة عون، علماً أن «القوات» تريد هذا المقعد بالذات. وفي حين يكاد ينعدم الحضور الكتائبي في جزين وزحلة، لتنحسر مع ذلك المصلحة في التحالف، تبرز عقدة إضافية في دائرة بيروت الأولى. فالنائب نديم الجميل يرى مصلحة كبيرة في التحالف مع رئيس مجلس إدارة «سوسيتيه جنرال» أنطون صحناوي، بينما يستحيل حتى الساعة انضمام «القوات» إلى لائحة يدعمها الصحناوي، لتورّط مجموعة «جنود الربّ» المدعومة منه، في جريمة قتل رئيس مركز «القوات» في كرم الزيتون (الأشرفية) رولان المر، والتي لم يُلقَ القبض على مُطلقي النار فيها بعد.
يضاف إلى ذلك أن عائلة المر تقدّمت بشكوى قضائية اتّخذت فيها صفة الادّعاء الشخصي ضد أشخاص لم يتناولهم الادّعاء العام، منهم المصرفي أنطون الصحناوي ووالده وبنك «سوسيتيه جنرال» وآخرون. وبالتالي، ثمّة نار لدى القاعدة القواتية لم تبرد بعد، ويبدو معها تفكير جعجع بالتحالف مع الصحناوي بمنزلة انتحار شعبي حتى لو قضت التسوية بتسليم القاتلين قبيل موعد الانتخابات النيابية.
اللافت أن تأكيد الجميل للمفاوضات الجارية مع جعجع، ترافق مع تأكيده أنه على تواصل مع «المستقلين والسياديين أمثال نعمة افرام وأفرقاء دائرة الشمال الثالثة وبيروت الأولى والثانية وكل داعمي العهد والحكومة»، أي كل من يخوض جعجع ضدهم معارك انتخابية.
في المحصّلة، يبدو ميزان الربح «طابشاً» بما لا يقبل الشك نحو الصيفي، ما يثير شكوكاً في مضيّ جعجع في تحالف مماثل يؤدّي إلى زيادة حجم كتلة الجميل بسواعد قواتية. فذلك سيتسبّب في خسارته سياسياً والتقليل من تأثير كتلته في الحكومة والبرلمان، وسيؤثّر في التمويل الخارجي له. كما سيحول دون تحقيق طموحه بقيادة المعارضين لحزب الله، وكتم كل الأصوات «السيادية»، التي ترفض الالتحاق ببيت الطاعة.
كل ذلك يعزز نظرية التكاذب المتبادل بين رئيسي الحزبين، مع ربط البعض مواقفهما بمحاولاتهما تبييض وجهيهما، وإظهارهما التنسيق والتعاون، تلبية لمطالب خارجية.













