في مطابخ كثيرة حول العالم، يُعدّ تجميد الخبز حلاً عملياً لتقليل الهدر وإطالة عمر الرغيف. غير أنّ هذه العادة اليومية خرجت في السنوات الأخيرة من إطار “التخزين الذكي” إلى نقاش أوسع يتصل بالصحة العامة، ولا سيما بتأثير الطعام على مستويات السكر في الدم والشعور بالشبع.
وتشير دراسات غذائية حديثة إلى أنّ تجميد الخبز قد يمنحه، في بعض الحالات، فوائد صحية تفوق تلك المرتبطة بالخبز الطازج أو البائت، ما يطرح تساؤلات حول ما يحدث فعلياً للخبز عند تفريزه، ولماذا يُنظر إليه كخيار غذائي أكثر توازناً.
تغيّر بنية النشا
الخبز يتكوّن أساساً من النشويات، وعلى رأسها النشا، وهو العنصر المسؤول عن الارتفاع السريع في مستويات السكر في الدم بعد تناوله. وعند خبز العجين، يتحوّل النشا إلى شكل يسهل هضمه، وهو ما يفسّر الاستجابة السريعة للجسم تجاه الخبز الطازج، خصوصاً المصنوع من الدقيق الأبيض.
غير أنّ تعريض الخبز لدرجات حرارة منخفضة، كما يحدث عند التجميد، يؤدي إلى تغيّر في بنية النشا، حيث يتحول جزء منه إلى ما يُعرف بـ”النشا المقاوم”.
وهذا النوع لا يُهضم بسهولة في الأمعاء الدقيقة، بل ينتقل إلى القولون ليؤدي دوراً قريباً من الألياف الغذائية، ما ينعكس على طريقة تفاعل الجسم معه دون تغيير كبير في الطعم.
المؤشر الغلايسيمي أقل
وبحسب تقارير علمية نشرها موقع “Science Alert”، فإن الخبز بعد تجميده، ولا سيما إذا تم تحميصه بعد إخراجه من الفريزر، قد يؤدي إلى استجابة غلايسيمية أقل مقارنة بالخبز الطازج. ويعني ذلك ارتفاعاً أبطأ وأكثر استقراراً في مستويات السكر في الدم، ما يخفف من تقلبات الطاقة والشعور بالجوع السريع.
ولا يقتصر هذا الأثر على من يتّبعون حميات غذائية، بل يشمل أيضاً إدارة الطاقة اليومية والتحكم بمستويات السكر في الدم، وهو أمر بالغ الأهمية لمرضى السكري.
شبع أطول وفائدة أفضل
تحوّل جزء من النشا إلى نشا مقاوم يبطئ عملية الهضم، ويطيل الإحساس بالشبع. ووفق ما أشار إليه موقع “Huffington Post”، قد يكون هذا التأثير مفيداً للأشخاص الذين يعانون من نوبات جوع متكررة بعد تناول الخبز، إذ يتحول الرغيف من مصدر طاقة سريعة الزوال إلى عنصر أكثر توازناً ضمن الوجبة.
وفي المقابل، يُنصح عادة بتجنب الخبز البائت بسبب تراجع جودته الحسية وتغير تركيبه بشكل غير منتظم، فيما يبقى الخبز الطازج الأفضل من حيث الطعم والرائحة، لكنه يُهضم بسرعة أكبر.
أما الخبز المجمّد، فيشكّل خياراً وسطياً، يحتفظ بجودته عند حفظه بشكل صحيح، ويكتسب في الوقت نفسه خصائص غذائية مختلفة، لا سيما إذا كان مصنوعاً من الحبوب الكاملة.
طريقة الاستهلاك عامل حاسم
وتشير بعض الأبحاث إلى أنّ الفائدة لا تكمن في التجميد وحده، بل في طريقة استهلاك الخبز بعده. فإخراجه من الفريزر وتحميصه قد يعزّز تكوّن النشا المقاوم مقارنة بإذابته وتركه في درجة حرارة الغرفة. ومع ذلك، لا يعني ذلك أنّ كل شريحة خبز مجمّدة تصبح تلقائياً “طعاماً صحياً”، إذ تلعب طريقة التحضير دوراً أساسياً في الأثر النهائي على الجسم.
حفظ عملي ونمط متوازن
من الناحية العملية، يمكن حفظ الخبز في الفريزر لعدة أسابيع من دون فقدان ملحوظ في الجودة، شرط تغليفه جيداً لمنع الجفاف أو امتصاص الروائح. أما الفائدة الغذائية، فتتحقق أساساً خلال دورة التجميد الأولى، ولا تزداد مع طول فترة التخزين.
ويؤكد مختصون أنّ تفريز الخبز ينبغي أن يكون جزءاً من نمط غذائي متوازن، يشمل اختيار أنواع مصنوعة من الحبوب الكاملة وتناولها مع مصادر بروتين أو دهون صحية.
كما أن التجميد قد يساهم في الحد من الإفراط في الاستهلاك، عبر إخراج الخبز من دائرة “التوافر الدائم” وجعل تناوله أكثر وعياً.
ولا يُعدّ الخبز المجمّد حلاً سحرياً للمشكلات الصحية، ولا بديلاً عن الغذاء المتوازن، لكنه مثال واضح على كيف يمكن للعلم إعادة قراءة العادات اليومية، وكشف فوائد غير متوقعة لممارسات اعتادها الناس بدافع التوفير أو الراحة.













