| جورج علم |
البيت الماروني بمنازل كثيرة.
هذا ليس إكتشافاً، ولا بجديد. إنه جزء من التركة التي ارتضاها المؤسسون عندما توافقوا على نظام طائفي، مذهبي، إقطاعي، للبنان الإستقلال، تحت قبّة مذهّبة مغلّفة بشعار مذهّب إسمه “الديمقراطيّة التوافقيّة”.
كان صراع “الأقوياء” في صفوف الموارنة، حول القصر الجمهوري، بين من هو الأكثر تسلّطاً، ونفوذا للدخول إلى فنائه، والتربع على أريكة الفخامة، لولاية كاملة على الأقل.
إستنزفت “الكرسي” الطاقات، والإمكانات.
وأفرغت البيت الماروني من كنوزه المعنوية، والماديّة. وتمكّنت “الأنانية المسرطنة” من إفساد كلّ شيء، حتى الملح.
و”إن فسد الملح، فبماذا يُملّح؟”!.
هذا سؤال مصيري، يتحكّم بالحضور الماروني، بيومه، وغده!.
يحتاج تأريخ الصراع الماروني ـ الماروني إلى تحبير مجلدات. والتاريخ لا يُقرأ من زاوية واحدة. لكن الغالبيّة المستنيرة تجمع على القول بأنه اتخذ طابعاً عنفيّاً مع بدايات العام 1975. عندما قرّر “قايين” أن يغدر بـ”هابيل”. يومها تلطّخت سيوف الأنانيّة بدماء “الإلغاء”، وعلى قاعدة “أنا، ولا أحد”!.
لقد كان “الربيع الماروني” دامياً، قاسيّاً، ظالماً، جشعاً، مستبدّاً، متسلّطاً. أحيا الغزوات القبليّة من ثباتها. دمغها ببصمة “متوحّشة” إعتباراً من الربع الأخير من القرن العشرين. عندما بدأت حروب الإلغاء بين القبائل المارونيّة، والتي لا تزال مستمرة لغاية الآن، ومستعرة بالحقد الأعمى، لفرض “أنا، ولا أحد”!.
وماذا عن النتيجة؟
لقد كانت، ولا تزال لغاية الآن، كارثيّة، عبثيّة، مدمّرة.
– اليوم “يبكون الموارنة كالنساء، وطناً لم يدافعوا عنه كالرجال”!
– “يحومون كالنسور الجارحة على ما تبقى من رميم في وادي قنّوبين”.
– “يشرّعون الأبواب أمام الشباب الماروني ـ بفضل غزواتهم المستمرة – على مسارات ثلاثة: الهجرة، البطالة، المقبرة”.
– يفرغون ـ بفضل سياساتهم الإستراتيجيّة – الجبل من السواعد المفتولة، والجباه السمر. ويستبدلون حقول الخير، بمواسم الجدب، والقحط، والفاقة. لقد تحوّلت البساتين الغنّاء، بفضل مخططاتهم الرؤيّة، إلى وعر قاحل، أو عقار برسم البيع.
ومع بواكير المؤشرات التي توحي بجديّة الإستحقاق الإنتخابي، مطلع أيار، “تعود حليمة لعادتها القديمة”، وينبري حملة السيوف، وهواة الطعن، إلى غزوة جديدة بين قبائل البيت الماروني، وعلى قاعدة “بيي أقوى من بيّك”، و”بيي أشرف من بيّك”، و”نحن أهل الفضيلة، والشفافيّة، والعزة، والشجاعة، ورواد الإبتكار والإستقرار، والإزدهار. وأنتم أهل الفساد، والإفساد، والهدر، والنهب، والإنهيار، والتسلّط، والإستئثار”!.
والنتيجة… “ياعيب الشوم”!
“يا عيب الشوم” على الحال التي وصل إليها الموارنة في لبنان.
“ياعيب الشوم” على هذا الإستئثار الوقح بمصير الطائفة، ودفعها نحو الهلاك، والإضمحلال.
“يا عيب الشوم” على هذا التسلّط النهم الذي همّش الأوادم، وأطلق العنان للمتسلّطين الجشعين، وترك أهل الكفاءة، والكرامة، والإعتدال، في ظلال العزلة والإحباط.
“يا عيب الشوم” على هذا التعتير الذي تتخبط بوحوله الأسرة المارونيّة. قلق من الحاضر، وخوف من المستقبل. لا زواج. والمقيّدون في سجلّ الطلاق، أكثر من المقيّدين بسجلّ الإرتباط. ومن بقي صامداً بوضعه الإقتصادي ـ الإجتماعي، يكتفي بإنجاب ولد أو ولدين، لأنه يعرف مسبقاً بأن مصيرهم ومستقبلهم هو في أرض بعيدة، ووطن آخر!.
“يا عيب الشوم” أن تتحوّل السياسة الإقتصادية إلى “فيروس” فتّاك بالبيئة المارونيّة. وأن تتحوّل “الإنهزاميّة” وكأنها قضاء وقدر لا مفرّ منه. بيع للعقار، ومغادرة الديار! وهل من المفاخرة القول بأن عدد رعايا الموارنة في عالم الإنتشار، أصبح أكثر من عدد رعايا المقيمين؟!.
” يا عيب الشوم” أن يدفع مالك العقار رسوماً ورشاوى للدوائر العقارية، وبمبالغ أغلى من سعره الأصلي، لكي يورّثه إلى ولده!.
قد يجوز أن تدفع رسوم عالية في حال كانت هناك عمليّة بيع وشراء، لكن أن تفرض على ناقل الإرث إلى إبنه، فهذا من باب الإستهداف أيضاً.
والآن، وعلى باب الإنتخابات، تتجدّد حرب “داعس والغبراء” داخل البيت الماروني، لإلغاء الآخر، والفوز بمقعد نيابي إضافي، أو “إمتلاك” كتلة وازنة في مجلس النواب كضمانة للإستمرار بنزعة السيطرة، والتسلّط، وإشباع نهم “أنا، ولا أحد”!.
أما ما يتمناه أوادم الموارنة، أو من بقي منهم، في قلب هذا المحيط الشرقيّ، الهادر بالمفاجآت والمتغيّرات، أن يكون التنافس بين القبائل المارونية حضاريّاً لتحقيق مطالب خمسة، كي يبقى لهم من أثر في جبل الأرز، ووادي قنوبين:
الأول: التعليم المجاني للجميع.
الثاني: التطبيب المجاني للجميع.
الثالث: تأمين فرص العمل للجميع.
الرابع: تأمين المنزل للجميع.
الخامس: ضمان الشيخوخة.
أما التمويل، فيمكن تأمينه بقيام “هولدينغ” مالي رابح، يضمّ كبار المتمولين، ورجال الأعمال، ويستند إلى قانون مصرفي خاص، يقتطع من المستفيد نسبة بسيطة من دخله الشهري، طوال سنوات عطائه، وحتى بلوغه سن التقاعد… والنتيجة تكون مريحة للجميع، وتشكّل إستثماراً جاذباً لأصحاب الرساميل.
فهل يقدم “أقوياء الموارنة” على التنافس في ما بينهم على وضع هذه البنود موضع التنفيذ، للإبقاء على مرقد للعنزة في جبل الأرز، ووادي قاديشا؟ أم أنهم قد اقسموا اليمين في ما بينهم على “تهشيل” آخر ماروني، بعد أن ينحر العنزة، ويبيع المرقد؟!.













