
| د. فؤاد زمكحل |
ما هي التداعيات والإنعكاساتها المالية والنقدية والإقتصادية على المنطقة والعالم، جرّاء الثورة الشعبية في إيران، في ظل ترقُّب الجميع ومواكبة هذه التغيُّرات الجذرية والتداعيات السياسية والإجتماعية؟
إنّ الإحتجاجات الشعبية التي طفت على وجه السطح في إيران أخيراً ليست الأولى من نوعها، إنما هي من أكبر الإحتجاجات التي تشهدها البلاد في جميع مناطقها، مع تغطية دولية كبيرة، والتي تلعب دوراً مهّماً، ليس فقط حيال الرأي العام، لكن في الدول العظمى التي تزيد ضغوطها وتهديداتها على الطبقة الحاكمة.
إنّ أسباب الثورة في إيران واضحة جداً، وهي تعود أولاً إلى التدهور الحاد بقيمة العملة الإيرانية الريال، الإرتفاع الكبير في معدّلات التضخُّم وغلاء المعيشة، والبطالة المتزايدة، وخصوصاً في جيل الشباب. فتأثيرُ العقوبات الدولية تقلّص التجارة وتطعن بالإستثمار وتتسبّب بتراجع الثقة بالإقتصاد الإيراني، فتُضعف القدرة الشرائية ونسبة عيش أكثرية الأُسر في هذا البلد.
فالتأثير الإقتصادي الأول على المستوى العالمي سيكون على أسعار النفط والطاقة، لأنّ إيران تلعب دوراً مهمّاً جداً في سوق الطاقة العالمية، لذا فإنّ الإضطرابات الحاصلة اليوم ستؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط بسبب المخاوف من تعطّل الإنتاج والتصدير وزيادة كلفة الطاقة العالمية، ما سيؤدّي إلى ارتفاع التضخُّم في العديد من الدول.
من جهة أخرى، إنّ التوترات الحاصلة، ستزيد المخاطر على مضيق هرمز، الممرُّ البحري الإستراتيجي لنقل النفط، ما سيؤدّي أيضاً إلى إضطرابات كبيرة في الأسواق المالية.
من جهة ثالثة، إنّ هذه الإضطرابات ستؤثر مباشرة على الأسواق المالية والإستثمارية، جرّاء المخاطر الجيوسياسية التي تجعل المستثمرين أكثر حذراً تجاه المنطقة، إذ سنشهد تراجعاً إستثمارياً في الشرق الأوسط مع ارتفاع المخاطر على الأصول المرتبطة في المنطقة.
كذلك، إنّ إيران لا تزال عضواً مؤثراً في الأوبك، فأيُّ ضعف في دورها الإنتاجي سيخلق عدم استقرار في توازن العرض والطلب، ممّا يُمكن أن يُفيد من هذا التراجع دول الخليج موقتاً، ولا سيما جرّاء ارتفاع الأسعار، لكنّ التوتر الإقليمي سيضرُّ بالاستقرار العام على المدى المتوسط والبعيد.
أمّا على صعيد التجارة وسلاسل الإمداد، فتراجع الإقتصاد الإيراني سيُقلّل من الطلب على المنتجات الآتية من دول الجوار، وستتعقّد عمليات الإستيراد والتصدير بسبب العقوبات وعدم الإستقرار.
وأخيراً، إنّ زيادة المخاطر ستدفع إلى زيادة أسعار التأمين في المنطقة والعالم، ممّا سيزيد أيضاً ضغطاً على التضخُّم الدولي ويؤثر على الإقتصادات الدولية.
في المحصّلة، إنّ الإحتجاجات الشعبية في إيران، ستزيد المخاطر الجيوسياسية، وسترفع أسعار النفط والغاز ومشتقّاتها، وتؤدّي إلى زيادة التضخُّم الذي يُمكن أن يُصبح مفرطاً. فكل هذه التغيُّرات ستُجمّد الإستثمارات والإنماء الإقليمي والدولي، وستدفع المستثمرين وصناديق الإستثمار إلى اللجوء إلى الملاذات الآمنة، مثل المعادن والعقارات المميّزة، وسنشهد ارتفاعاً هائلاً للذهب، والذي قد يتخطّى بسهولة عتبة الـ 5 آلاف دولار للأونصة، وغيرها من الإرتفاعات في أسعار السلع المعيشية والضغوط الإجتماعية في بلدان عدّة.













