| فيصل طالب |

تمثّل حماية التراث المادّي وغير المادّي، بوصفه الذاكرة الجمعية التي تحتضن المعارف والقيم والتجارب المتراكمة عبر التاريخ، تحدّياً كبيراً في مواجهة التحوّلات المجتمعية المتسارعة، والتداعيات الهائلة للعولمة التي تهدّد الخصوصيات الثقافية للشعوب، في ظلّ ما يعيشه عالمنا اليوم من أحوال الانفتاح الثقافي والتكنولوجي غير المسبوق. ذلك أنّ الماضي ليس فقط تأريخاً يُنقل إلينا بسرديات الإخبار للتعرّف إلى أحداثه، بل هو الجذور الراسخة التي تنمو انطلاقاً منها شجرة الحاضر، وتتفرّع من جذعها أفنان المستقبل. التراث هو البصمة الثقافية للمجتمع التي تحميه من أن يكون نسخة مكرّرة لثقافات أخرى لا روح فيها ولا حياة. إنّ العناية بالتراث ليس إنكفاءً إلى الماضي ببعده التاريخي، بل هي سعي لتوفير المناخ المؤاتي لتطبيق المعادلة المتوازنة بين الأصالة التي تمثّل الأرض التي نقف عليها، باستلهام القيم والمبادئ والخصائص التي تشكّل الوجدان العام، والحداثة التي تشكّل الفضاء الذي نحلّق فيه بالتفاعل الحيّ مع منجزات التقدم التكنولوجي؛ بعيداً من الانغلاق على الذات في قوقعة الجمود، أو الارتباك القيَمي والسقوط في التبعية الثقافية.
إنّ الحديث عن صون التراث وإبقائه في حيّز الحيوية والنمو لا يكتمل فقط بسنّ القوانين التي تحميه، بل بغرس الوعي بأهميته في عقول الناشئة منذ الصغر، وعلى مدى تدرّجهم من مرحلة تعليمية إلى أخرى، ليتحوّل هذا التراث من ذاكرة شعبية معرّضة للتداعي، ومن ماضٍ محفوظ في بطون الكتب أو في المتاحف والمعالم الأثرية، إلى معرفة حيّة متجذّرة في الوجدان والسلوك، وقيمة ثقافية راسخة في وعي المجتمع ومستقبله.
أهداف إدراج التراث في المناهج
تعدّ عملية إدراج التراث الثقافي في المناهج التعليمية هدفاً استراتيجياً لربط الأجيال الصاعدة بهوية المجتمع وتاريخه وروحه وقيمه. وتمثّل المؤسّسات التربوية في هذا السياق الأطر الطبيعية التي يجري في نطاقها صون التراث الثقافي، بشقّيه المادي وغير المادي، ودمجه في العمليات التعلّميّة، وفي تشكيل الوعي بأهمية الموروث الثقافي ودوره في:
- تعزيز الهويّة الوطنية، وترسيخ الانتماء الوطني والثقافي، وتقوية التماسك الاجتماعي، وصون الذاكرة الجماعية، من خلال نقل المعارف والممارسات التقليدية والحرف اليدوية للأجيال الجديدة، وإشراكها في صون التراث الثقافي وإحيائه وحمايته من الطغيان العولمي.
• تنمية مهارات التفكير النقدي، من خلال تحليل التحوّلات التاريخية والاجتماعية.
- إدراك القيمة الحضارية للتراث المادي وغير المادي، وتعزيز القيم الإنسانية، والتعرّف إلى الثقافات الأخرى، والتفاعل الإيجابي معها بثقة الانتماء إلى الشخصية الثقافية الوطنية.
- تعزيز الوعي بالقيمة الاقتصادية للتراث، بكونه مورداً تنموياً كبيراً يسهم في توفير فرص عمل للشباب، ويرفع من من الناتج المحلّي الإجمالي.
آليات الإدراج ومساراته
لتحويل الأهداف المذكورة آنفاً إلى واقع تعليمي ملموس، يجب أن تسلك عملية دمج التراث في المناهج التربوية مساراتٍ تنظيميةً واضحة، تتوزّع بين المنهج الدراسي، والأنشطة اللاصفّية، وإعداد المعلمين وتدريبهم، والبيئة المدرسية؛ وذلك على النحو التالي:
١- المنهج الدراسي:
يعتمد هذا المسار على تطوير المناهج التعليمية، ودمج المادة التراثية في الخطط الدراسية، من خلال:
- الدمج الأفقي (التكاملي): وذلك بإدراج موضوعات تراثية في نسيج المواد الدراسية، مثل وضع نصوص من الأدب الشعبي، كالحكايات والأمثال، في مادة اللغة العربية، أو دراسات عن النباتات المحلية واستخداماتها في الطب الشعبي القديم في مادة العلوم، وتنفيذ مشاريع عن الحرف التقليدية (خزف، نسيج، خط عربي) في مادة الفنون…
- الدمج العمودي: تخصيص وحدات دراسية كاملة، أو مادة مستقلة تعنى بالتراث الثقافي الوطني، تتدرّج وتتعمّق بطريقة التوسّع الحلزوني، مع توالي السنوات الدراسية.
٢- الأنشطة اللاصفّية واعتماد التعليم الميداني التفاعلي: الرحلات الميدانية، والمغامرات الاستكشافية، وزيارة المواقع الأثرية والمتاحف والبيوت التراثية وورش الحرف اليدوية، وما يمكن أن يرتبط بذلك من مشاريع تطبيقية في هذه المجالات ذات طبيعة توثيقية وبحثية؛ فضلاً عن العمل في إطار المسرح المدرسي لإعادة تمثيل طقوس وأغانٍ شعبية وممارسات اجتماعية، واستخدام التكنولوجيا لتقريب التراث إلى المتعلمين، وهي الوسيلة الأنجح في هذا النطاق، استناداً إلى ارتباطهم الوثيق بالواقع الرقمي، وذلك من خلال:
• المتاحف الافتراضية: توفير منصّات تتيح للطلاب القيام بجولات داخل المواقع الأثرية من داخل المؤسّسة التعليمية.
- الألعاب التعليمية لإحياء المواقع والشخصيات التراثية بطريقة جذّابة.
• الأرشفة الرقمية: تكليف الطلاب بتنفيذ مشاريع لتوثيق تراث منطقتهم (صور، فيديوهات، مقابلات…)، ووضعها على منصّة مدرسية خاصة.
٣- التأهيل التربوي (تمكين المعلم):
إعداد المعلّمين الجدد، وتدريب المعلّمين الحاليين، على الأسس العلمية للتراث المادي وغير المادي، وتاريخه المحلي والوطني، وتعريفهم بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة (الأونيسكو)، وأبرزها اتفاقية التراث العالمي لعام ١٩٧٢ لحماية المواقع الثقافية والطبيعية، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام ٢٠٠٣ لحماية الممارسات والتصوّرات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات…، وذلك لتمكينهم من امتلاك الثقافة النظرية والقدرة العملية على تحويل التراث من موضوع معرفي إلى تجربة تعليمية حيّة، بتدريبهم على طرائق التعليم التفاعلي، وإدماج التعليم القائم على المشاريع والبحث الميداني والاستقصاء، مع توفير الأدلّة التوجيهية اللازمة التي تراعي هذه الأسس والمنطلقات.
٤- الشراكات المجتمعية (البيئة المفتوحة):
دمج المعرفة المدرسية بالخبرة المجتمعية، من خلال التعاون والتواصل مع المجتمع المحيط بالمدرسة، وعقد شراكات مع البلديات والجامعات والجمعيات الثقافية والمراكز التراثية، لتنظيم أنشطة ميدانية ومعارض وورش عمل مشتركة.
إنّ إدراج التراث في المناهج التعليمية ليس ترفاً ثقافيّاً، أو مجرّد إضافة معرفية، بل هو استثمار واعٍ في الذاكرة الجماعية لتحويل الماضي إلى طاقة فاعلة في تشكيل الوعي العام، وركن أساسي في عملية بناء الإنسان في البعدين الأفقي والعمودي، وضمانة لتنمية مستدامة تحفظ للمواطن هويّته، وتفتح له آفاق الابتكار، في سياق فهم العالم والتفاعل معه، من منطلق الثقة الراسخة بالانتساب إلى شخصية ثقافية محدّدة الملامح وواضحة الخصوصية، لتكون التربية جسراً حقيقياً يربط بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، وليكون محمولها التراثي الضارب في عمق التاريخ مصدراً للإلهام في مسيرة النهوض والتقدّم.













