| غاصب المختار |
بات ثابتاً أن الدولة اللبنانية سلّمت بالأمر الأميركي ـ الإسرائيلي الواقع، لجهة عدم تنفيذ إتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع قبل سنة، وعدم القدرة على إلزام الإدارة الأميركية بالضغط على كيان الإحتلال ليوقف عدوانه اليومي المتمادي على لبنان، ذلك أنه بات ثابتاً أيضاً أن هناك أكثر من دعم أميركي لمواصلة العدوان، يصل إلى حدّ التماهي مع العدو الإسرائيلي في مسعاه لتحصيل ما يمكنه من تنازلات لبنانية، سواء في موضوع جمع السلاح أو موضوع الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية، التي طالما جاهر قادة الإحتلال بأن لا وقف لإطلاق النار ولا انسحاب من كل النقاط المحتلة في قرى الجنوب، ولا تحرير للأسرى، قبل أن ينفذ لبنان الأجندة الأميركية ـ الإسرائيلية كاملة.
ولعل كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالأمس القريب بأنه “كان يعلم بكل إجراءات إسرائيل في لبنان، ووافق عليها، بما فيها عملية تفجير أجهزة البيجر”، دلالة على شراكة الإدارة الأميركية في العدوان على لبنان عبر السماح له بأن يفعل كذا ولا يفعل كذا.. كما قال ترامب نفسه.
وإذا كان لبنان الرسمي قد “رفع العشرة” أمام الضغوط الأميركية السياسية والإسرائيلية العسكرية، وأكد مراراً استعداده للتفاوض غير المباشر مع الإحتلال لتطبيق إتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، فإن المطلوب منه أكثر من ذلك بكثير، ويصل إلى حدّ التسليم بكل مطالب الإحتلال ولو على حساب استقراره السياسي والأمني الداخلي، الذي سيهتز حكماً إن لم يحصل الانهيار نتيجة الإنقسام الحاد بين من يريد “الخلاص” من سلاح المقاومة وإنهائها تماماً إذا أمكن، وبين من يريد أن يحتفظ لبنان بورقة القوة الوحيدة التي يملكها ويمكن أن يفاوض عليها.
وعلى الرغم من المواقف العلنية الأميركية والإسرائيلية مؤخراً، والتسريبات الإعلامية عن نوايا كيان الاحتلال بتصعيد الاعتداءات على لبنان لتصل إلى حد توجيه ضربة عسكرية كبيرة، فإن التسليم الرسمي بحصول هذا التصعيد بات من يوميات السياسة اللبنانية، بحيث يتعاطى معه الجميع كأنه أمر حاصل لا محالة، وأنه على لبنان تلقي نتائجه أياً تكن، والاكتفاء بمناشدة العالم وقف العدوان وعدم توسيعه إلى مرحلة الحرب الواسعة، بحيث يبقى لبنان، بحسب مصادر رسمية، في “حالة اللا حرب واللا سلم”، و”التعايش” مع التصعيد العسكري الإسرائيلي، و”إقفال الأبواب أمام أي دعم دولي سياسي أو إقتصادي”.
ولعل الدولة اللبنانية، بكل رؤوسها ومسؤوليها، أسقطت من حسابها الرهان على دور أميركي ما، يخفف من اندفاعة الكيان الإسرائيلي التصعيدية، وينتشل البلاد من أزماتها، وقد عبّر مصدر دبلوماسي أوروبي لموقع “الجريدة” عن سقوط الرهانات بقوله إنه يخشى “أن يبقى لبنان متروكاً خارج الاهتمام الأميركي والدولي، ماعدا الفرنسي الذي يحاول أن يلعب دوراً في تحقيق نوع من التوازن لمصلحة لبنان، عبر مشاركته بضابط رفيع المستوى في لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار، وعبر الاتصالات التي تجريها فرنسا مع أميركا والسعودية بشكل خاص، للمساهمة في دعم لبنان من خلال مؤتمري دعم الجيش وإعادة الإعمار اللذين تسعى باريس لعقدهما الشهر المقبل”.
لكن بدا أن المساعي الفرنسية لا تزال قاصرة عن إقناع الجانب الأميركي بلعب دور الوسيط النزيه بدل الوسيط المتحيز للإسرائيلي، وهي لم تحقق حتى الآن أي نتائج إيجابية، لا على مستوى وقف العدوان ولا على مستوى عقد مؤتمري الدعم، ولو أن المصادر الدبلوماسية تؤكد على عقد مؤتمر دعم الجيش “مبدئيا” الشهر المقبل، لكن من دون خريطة طريق واضحة ومحددة بعد، بإنتظار أن يقدم لبنان تقارير واضحة تفصيلية عما أنجزه الجيش جنوبي نهر الليطاني، وعن احتياجاته العسكرية واللوجستية، لكي يُبنى الدعم على مقتضاها.














