| ناديا الحلاق |
في الجنوب اللبناني، حيث تمتد بساتين الزيتون على التلال وفي الوديان، يبدأ موسم جديد، لكن هذا العام جاء مختلفاً. الأرض التي كانت تعطي ثمارها بوفرة، تحمل اليوم آثار الحرب، وآثار القصف والدمار. التنكة التي كانت رمزًا للوفرة والكرم، وصل سعرها إلى 200 دولار في بعض المناطق. معاناة تتخطى مجرد ارتفاع الأسعار، لتصبح انعكاسًا مباشرًا للحرب، وما تركته من آثار على الأرض والمزارعين.
سمير، مزارع من النبطية، يقف بين أشجار الزيتون التي تضررت جزئيًا، ويقول بصوت يملؤه الحزن لموقع “الجريدة”: “لقد فقدنا الكثير من الأشجار المثمرة بسبب الصواريخ والقذائف التي سقطت على بساتيننا. كل موسم نفتقد فيه الإنتاج، نفتقد جزءًا من حياتنا وتاريخنا. نحن نعمل منذ الفجر وحتى المساء، وكل موسم جديد يحمل معه خوفًا وقلقًا أكبر”.
أبو محمد صاحب بستان زيتون في حاصبيا، يقول: “العمل في البساتين صعب دائمًا، لكن هذا الموسم أكثر صعوبة. الأشجار التي نجت من القصف الإسرائيلي لا تزال تعاني، الإنتاج أقل، والتكاليف أعلى. نحاول أن نحافظ على محصولنا، لكن الحرب تركت آثارها على كل شيء”.
ويضيف: “الأزمة هذه المرة ليست مجرد ارتفاع أسعار أو ضعف إنتاج طبيعي، بل هي نتيجة مباشرة للأضرار التي لحقت بالبساتين جراء العدوان الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان. الأراضي الزراعية التي كانت مزدهرة أصبحت اليوم مليئة بالحفر، معظم الأشجار احترقت، وأخرى تهدمت جذورها، مما أدى إلى انخفاض كبير في الإنتاج”.
ارتفاع تكاليف الإنتاج يضاعف المعاناة. أجور العمالة، تكاليف التعبئة والنقل، والمستلزمات الزراعية ارتفعت، فيما الإنتاج نفسه تقلص بسبب الدمار الذي لحق بالأشجار. المزارعون يجدون أنفسهم أمام واقع صعب: كيف يمكنهم مواجهة هذه التكاليف الضخمة مع محصول محدود؟
الحياة اليومية للمزارعين تغيرت بالكامل. كل موسم يأتي مع القلق والخوف، ليس فقط على الإنتاج، بل على حياة الأسرة والمجتمع. العمل في البساتين أصبح شاقًا على نحو مضاعف، كل حركة، كل قطرة عرق، تحمل معها عبء الخسارة المحتملة.
في مواجهة هذه التحديات، يحاول المزارعون الصمود والبحث عن حلول مبتكرة. بعضهم يستخدم تقنيات ري حديثة لحماية الأشجار وإنقاذ ما تبقى من المحصول، بينما يسعى آخرون لبيع الزيت مباشرة للمستهلكين عبر الجمعيات التعاونية لضمان وصول المنتج بأقل خسارة ممكنة.
لكن ما يميز هؤلاء المزارعين هو إرادتهم وعزيمتهم. رغم كل الصعوبات، يبقى الزيتون رمزًا للهوية والثقافة اللبنانية، وكل قطرة زيت تمثل صمودهم وعملهم المستمر. حتى مع الجروح التي خلفتها الحرب، يواصلون العمل، ويثقون بأن الأرض ستعطيهم مرة أخرى ما فقدوه.
القصة هنا ليست مجرد موسم زيتون أو أرقام على الأسعار، بل هي عن واقع مأساوي يعيشه المواطن والمزارع معًا. الأسعار المرتفعة للتنكّة تجعل الكثير من الأسر غير قادرة على شرائها، بينما المزارع يكافح يوميًا لتغطية تكاليف الإنتاج المرتفعة وأضرار الحرب التي لحقت بالبساتين. كل يوم يمثل تحديًا جديدًا، بين محاولة تأمين لقمة العيش وبين صبره على خسارة جزء من محصوله.
إنها معاناة مزدوجة: المواطن يفتقد القدرة على الاستهلاك، والمزارع يعاني من عبء الدمار وارتفاع التكاليف، وسط أمل بسيط في موسم أفضل.













