| زينة أرزوني |
تستلم إشعاراً على هاتفك: “إسرائيل” تستعيد أحد “مواطنيها” من لبنان. تفتح الرابط بسرعة. ربما، عاد ماهر حمدان. أو كُشف مصير المعتقلين اللبنانيين المجهولين الذين يُنكر العدو حتى وجودهم. لكنك تُصاب بالإحباط سريعاً… لا تبادل، لا مقابل، لا حتى تلميح لإسم لبناني عاد إلى حضن أمه!
الإعلان صدر من “تل أبيب”. أما بيروت.. فكالعادة، في عطلة رسمية دائمة! لا رئاسة جمهورية علّقت، لا حكومة تساءلت، ولا أمن عام برر، وكأن “إسرائيل” تُخبرنا أن زمن الكرامة انتهى، وأن بيروت الرسمية أصبحت “فرعاً ثانوياً” لوزارة الخارجية الإسرائيلية!
ما حصل هو تسليم من دون مقابل. صفقة غير متوازنة، تُدار في غرف مظلمة لا تعرف الشمس طريقها. هل هذه دولة تُفاوض؟ أم مكتب بريد يسلّم الطرود؟!
“المواطن الإسرائيلي” صالح أبو حسين، يعرفه جيداً رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، وهو يجري مفاوضات سرية بشأنه منذ اكثر من عام مع السلطات اللبنانية. أما إبن بلدة شبعا الراعي ماهر حمدان (28 عاماً) والأسير اللبناني الرقم 16 في المعتقلات الاسرائيلية، لا يعلم رئيس حكومته نواف سلام أنه يوجد معتقل بهذا الاسم في “إسرائيل” بحسب ما قاله لوفد من أهالي شبعا زاره في مكتبه بـ 28 تموز الماضي، ربما لا يعلم لأن شبعا “ليست لبنانية” وإنما “سورية” كما بدأ الترويج لذلك. أو ربما لو كان ماهر حمدان مستثمراً في بورصة باريس أو نسيباً في قصر بعبدا، لاهتزّت له المؤتمرات الصحفية وصدرت لأجله بيانات الشجب والتنديد والوعود الطائرة.
السؤال هنا: هل يعلم أيضا بوجود 19 معتقلاً لبنانياً، في الحد الأدنى، والذي يمنع العدو الاسرائيلي الصليب الأحمر الدولي من الوصول إليهم، ويصر على عدم إعطاء إجابة عن أي استفسار يتعلق بهم، سواء لأميركا أو قوات “اليونيفيل” أو الصليب الأحمر. ربما لا يعلم بسبب انشغاله في كتابة التصاريح والبيانات الإعلامية والخطابية التي يلقيها يومياً أمام زواره أو خلال جولاته المناطقية. ورغم تبدل حروف هذه البيانات وتقسيمات مقاطعها، إلا أنها جميعها تبدأ وتنتهي بضرورة حصر ونزع سلاح “حزب الله”، وأن قرار الحرب اصبح حصراً بيد الدولة اللبنانية!
هنا تذكرت كلام جدتي ذات عصر على “المصطبة” في إحدى القرى الجنوبية، حين تفاجأت أنه أصبح هناك دولة لبنانية والقرار بيدها، لتضحك ساخرة وتسأل “هل صاحب هذه الدولة يعلم أن الحرب فُرضت علينا منذ الثمانينيات، وأن نساء الجنوب هن من سكبن الزيت المغلي دفاعاً عن بيوتهن واولادهن، وأن المقاومة ولدت من رحم هؤلاء النسوة؟!”.
الدولة “القانونية”: عدوك دمّرك… بس الحائط مخالف!
وأنا في حيرة من أمري، وأبحث بين سطور التحليلات السياسية وبيانات المسؤولين عن مصير سلاح “حزب الله” وجنوب لبنان والسلام مع “إسرائيل”، بعدما تركنا يتامى من كان بإشارة من إصبعه يرشدنا إلى طريق النور، أجابتني والطمأنينة تسكن روحها: “حين حملنا السلاح نحن النساء عام 84 لم يعطينا إياه حزب الله. وحين دافعنا عن أرضنا وصدينا المُحتل، لم يكن حزب الله قد رص صفوفه. اليوم وبعد الكبوة التي أصابته، وظن أعداؤه، في الداخل قبل الخارج، أنه انتهى، عليهم قبل نزع هذا السلاح قتل جميع أهل الجنوب والبقاع والضاحية وبيروت، وعليهم استئصال أرحام النسوة الأحرار، وقطع رؤوس الأطفال الذين رغم استشهاد آبائهم وعائلاتهم لا يزالوان يرفعون إشارة النصر مع صورة السيد حسن نصرالله خلال زيارة مرقده، حينئذ يمكنهم الحديث عن سلام مع إسرائيل ونزع السلاح!
في “بلد العجائب” لبنان، هناك من يطلق سراح “إسرائيلي” من دون شرط، وهناك من يحاسب مواطناً دمرت الآلة الاسرائيلية منزله ويطالبه بإزالة الحائط الأخير المتبقي من منزله المدمر في العديسة لأنه “مخالف”!… “يعني مش مهم إنو العدو دمّرك، المهم ما تخالف قانون الدولة!”
أي عبث هذا؟! أي دولة هذه التي لا تردّ على انتهاك سيادتها، لكنها تُغرّم مواطنيها على الركام؟!
من مفاوضات القوة… إلى استجداء الكرسي
في عالم الواقع، الدولة تقاتل لتعيد أبناءها. في لبنان، الدولة تُسلّم أوراقها مجاناً، ثم تُحاضر عن السيادة.
أين نحن من صفقات 1985، حين أُطلق سراح أكثر من 1,100 أسير عربي مقابل ثلاثة جنود؟!
أين نحن من صفقة سمير القنطار في 2008؟
أين نحن من لبنان الذي كان يفاوض من موقع القوة؟
اليوم، لا مفاوضات، ولا مكاسب، ولا حتى خجل.
اليوم، وبعد أن تحولت المقاومة إلى مادة سجال على طاولات النخب، نسينا أن الكرامة لم تُمنح بقرار رسمي، بل صُنعت بزيت ساخن، وصبر جنوبي، ونساء قهرن العسكر بحناجرهن.













