الأربعاء, فبراير 4, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderهل يقترب لبنان من مواجهة بين الجيش والمقاومة؟

هل يقترب لبنان من مواجهة بين الجيش والمقاومة؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| حسين بدّاح |

تسود لبنان حالة من القلق والتوجّس على ضوء القرار الصادر عن مجلس الوزراء في الخامس من آب، والذي خَوَّل الجيش اللبناني وضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة. هذا القرار، وإن جاء تحت سقف الدستور والقانون، إلا أنه يصطدم بواقع لبناني معقّد يتداخل فيه السلاح بالعقيدة والهوية والمجتمع، لا سيما عندما يكون الحديث عن “سلاح المقاومة” الذي يحظى بشرعية شعبية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.

تتعامل بيئة المقاومة مع هذا السلاح على أنه ليس مجرّد أداة عسكرية بيد “حزب الله”، بل هو رمز وجود ومصدر حماية، وملك لمن قدّم التضحيات دفاعاً عن الأرض والكرامة. وفي هذا السياق، جاء خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، محذّراً من “زجّ الجيش اللبناني في فتنة داخلية”، في إشارة إلى أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة ستُواجَه بصدّ جماهيري، وليس فقط من الحزب.

حتى اليوم، لم تصدر أي خطة تنفيذية رسمية من قيادة الجيش، ولا يبدو أن القيادة في وارد الانخراط في خطوة ميدانية بهذا الحجم، مع كل ما تحمله من مخاطر على الاستقرار الداخلي.

البيان الوحيد الصادر عن قيادة الجيش كان تحذيراً عاماً من أي تحركات غير محسوبة، وتأكيداً على عدم السماح بالإخلال بالأمن أو المساس بالسلم الأهلي.

وبما أن الجيش اللبناني يعكف على إعداد خطة تنفيذية لحصر السلاح بيد الدولة، انتشرت مؤخرًا معلومات تفيد بأن هذه الخطة تشمل ثلاث مراحل، وهي: توسيع الانتشار بين الليطاني والأولي، ضبط السلاح في بيروت الكبرى، ومعالجة التهريب والإمداد على الحدود الشرقية، وذلك ضمن ترتيبات قانونية وأمنية متعددة. لكنّ موقف “حزب الله” الرسمي عبّر عنه الأمين العام في وقتٍ سابق، وهو اعتبار القرار غير موجود إطلاقًا.

تستدعي اللحظة مقاربة متوازنة بين أداء الجيش لدوره الدستوري وضمان السلم الأهلي.

لطالما شكّل الجيش اللبناني آخر المؤسسات الوطنية المتبقية، والخيط الرفيع الذي يحول دون انهيار البلاد نحو الفوضى أو الحرب الأهلية. وتاريخ لبنان شاهد على أن كل محاولة لإضعاف هذا الجيش أو جره إلى الصراعات الداخلية كانت بداية لانهيارات كبرى.

وفي ظل الحديث عن حصرية السلاح، ينتظر الجيش سيناريوهات مختلفة، قد يكون أخطرها على أرض الواقع هو التنفيذ الحاسم لحصر السلاح، إلا أن هذا الخيار قد يؤدي إلى تصادم لا يرغب به أحد، وخصوصًا جمهور المقاومة الذي لطالما تمسّك بثلاثية اعتبرها “ذهبية” وتقوم على قاعدة “جيش، شعب، مقاومة”.

وفي سياقٍ متصل، هذا السيناريو قد يُضعف شرعية الجيش نتيجة الإنقسام السياسي والطائفي حول أداء المؤسسة العسكرية، في ظل رغبة شريحة من اللبنانيين بتنفيذ هذه الخطة.

أمّا السيناريو الآخر، فهو تولّي الجيش دور الضامن لعملية حصر السلاح تدريجيًا بناءً على تفاهمات سياسية وطنية، إلّا أن هذا الخيار قد يكون معقّدًا نتيجة الضغوط الخارجية واستمرار العدوان الإسرائيلي.

هذا القرار أشبه بما حصل أثناء أحداث عام 1958 التي كادت أن تُشعل حربًا أهلية، نتيجة الصراع بين القوميين العرب المؤيدين للمد الناصري وبين الموالين للغرب، عندما اختار الجيش اللبناني بقيادة فؤاد شهاب موقف “الحياد المدروس”، متجنبًا الانخراط في المواجهات الداخلية.

“الحياد” قد يكون السيناريو الأصعب على الوطن ككُل، إذ أنه سيضعف الثقة الداخلية لدى جزء من اللبنانيين بدور الجيش كحامٍ للسيادة، إضافةً الى توليد إحباط دولي من ضعف الدولة اللبنانية، وخصوصًا في هذه المرحلة الحسّاسة التي تُعتبر إعادة بناء للدولة بعد كل الازمات والإنهيارات.

بين “حزب الله” والمخيمات

في لبنان سلاح غير شرعي بكل المقاييس، شكّل أداةً لزعزعة الاستقرار الداخلي وتصفية الحسابات تحت عنوان الدفاع الذاتي”، يتمثّل بما تملكه الأجنحة العسكرية لتيارات سياسية عدة، وسلاح المخيّمات الفلسطينية.

وفيما تأجلت خطة سحب سلاح المخيمات الفلسطينية التي كانت مُقرّرة في منتصف شهر حزيران الماضي، نعود إلى الواقع الذي يقول بأن هذه المخيمات لا تخضع أساسًا لسلطة الدولة اللبنانية، ومن النادر أن يقترب منها الجيش اللبناني أو القوى الأمنية، رغمَ أنها تشهد أسبوعيًا على أقل تقدير معارك دموية تصل أحيانًا إلى إطلاق القذائف على المنازل والمباني بشكلٍ مباشر.

إلّا أن تنفيذ المرحلة الأولى من سحب السلاح الفلسطيني، تأجّل لمزيدٍ من المشاورات والتنسيق في لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني.

ولكن، بدء الجيش بسحب سلاح المخيمات، قد يكون محطة خطيرة رغم الاتفاق الحاصل مع الطرف الفلسطيني.

ومن المخاطر التي قد يواجهها الجيش، حصول اشتباكات داخل المخيمات مع فصائل رافضة أو جماعات متطرفة، انزلاق الوضع الأمني إلى صيدا أو عين الحلوة أو البداوي على سبيل المثال، إلّا أن هذه الخطوة ستساهم في التفاف اللبنانيين حول المؤسسة العسكرية باعتبارها ليست في مواجهة مع جه لبنانية، ولا تقوم بهذه العملية نتيجة ضغوطٍ خارجية، بل إنها خطوة أمينة وطنية بحت.

إن أسوأ السيناريوهات المطروحة اليوم، والذي يتجنب الجميع الحديث عنه علناً، هو انقسام الجيش اللبناني في حال أُجبر على تنفيذ قرار الحكومة سلاح “حزب الله” أو بيئة المقاومة. وهذه ليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها مثل هذا التخوّف.

فمنذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، شهدت المؤسسة العسكرية انقسامات كبيرة مع نشوء قوات موازية مثل “جيش لبنان العربي” و”جيش لبنان الحر”. وفي سنة 1988، تجدد الانقسام مع تفكك القيادة إثر تشرذم البلاد بين حكومتين متناحرتين.

وحتى في مرحلة ما بعد الطائف، عاشت المؤسسة العسكرية حالات من التوتر والانقسام السياسي الداخلي، خصوصاً في 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما تبعه من انقسامات حادة بين “8 آذار” و”14 آذار”، انعكست ولو بشكل غير مباشر على مزاج بعض الضباط والعناصر.

القلق الحقيقي اليوم، ليس فقط من مواجهة ميدانية بين الجيش والمقاومة، بل من التداعيات السياسية والمجتمعية التي قد تلي ذلك. إذ أن انهيار وحدة الجيش قد يعني انفتاح لبنان على مرحلة فوضى أمنية، حيث تعود الميليشيات، وتغيب الدولة، ويتحوّل الشارع إلى ساحة لتصفية الحسابات الطائفية والمذهبية.

فالجيش، وإن كان مؤسسة عسكرية، إلا أن وجوده في لبنان بات بمثابة صمام أمان سياسي واجتماعي ونفسي أيضاً. والمسّ بهذا الصمّام قد يعيدنا عقوداً إلى الوراء.

أزمة هوية ونظام

إن محاولة فرض حصرية السلاح بيد الدولة من دون توافق وطني شامل، ومن دون تقديم رؤية استراتيجية بديلة لدور المقاومة، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام. فالمسألة اليوم ليست مسألة قرار أو خطة، بل هي مسألة توازنات دقيقة بين الطوائف، وخوف متبادل من الآخر، وانعدام للثقة بمؤسسات الدولة نفسها.
أي خطوة غير مدروسة قد تفجّر الوضع، وأي صدام بين الجيش والمقاومة، سواء بشكل مباشر أو من خلال اشتباك مع البيئة الحاضنة، ستكون كارثية. وعلى الجميع أن يدرك أن لبنان لا يحتمل ترف التجارب الفاشلة مجدداً، فالشارع ملتهب، والاقتصاد منهار، والناس على حافة اليأس.

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img