| رندلى جبور |
في يومين، بكينا مرّتين والوجهة واحدة.
بكينا فرحاً لأن مناضلاً مثل جورج عبدالله عاد بعد صمود، شقّ صخر العذاب وخرج بثبات، محافظاً على مبادئه، سائراً خلف بوصلته التي لم تتزحزح.
لم تكسره أربعة عقود من الأسر، فهو يمتلك حريته في داخله.
لم يتاجر بها ولم يساوم عليها.
شعره الأبيض بات تاريخاً للمقاومة وسجلاً ناصعاً للنضال.
إبن عكار الأممي، اليساري الحامل سيف المظلومين من لبنان مروراً بفلسطين إلى آخر هذه الارض المعذّبة، عاد مرفوع الرأس، بعنفوان وأمل.
أي أمل يمكن أن يخرج من سجن مؤبّد، فيما نحن الخارج السجون، كدنا نفقد الأمل ونضع الإصرار جانباً لأننا تعبنا؟
أي رجاء أبقى هذا الرجل حياً في صومعة من ظلم، ونحن المدّعون أننا أبناء الحرية، نكاد نصفع الرجاء كفّاً على خدّه بسبب الخذلانات؟
جورج عبدالله يشكّل مثالاً ونموذجاً للإنسان الذي يبقى رغم وجع، وللمقاوم الذي يبقى رغم خيبات، وللثابت على قيمه ومبادئه رغم الأثمان التي يدفعها لأجلها.
ثم بكينا حزناً على زياد الرحباني، ذاك المبدع الذي خرج من سلالة رحبانية كريمة في العطاء الثقافي والفني ليعطي الكثير قبل رحيله المبكر.
لقد أقام المسرح من بين الأموات، وقاد الموسيقى إلى علا جميل وأسطوري.
زياد اليساري الذي لحّن أروع الترانيم الكنسية، استراح قبل الأوان ربما، ولكنّ ما أعطاه كافٍ لنرندحه كل حياتنا، ونردده على مدار أعوام.
ترك لنا إرثاً كبيراً وقبل أن يكتب وصيته. فوصيته كانت مكتوبة بين الابتسامات التي رسمها بسخرية على واقع مؤذٍ وأليم.
زياد ناضل هو أيضاً على طريقته، على خشبة ألهب فيها الروح قبل أن يسلّم روحه متعباً من كثرة الذكاء.
فالذكاء قد يقتل أصحابه أحياناً.
أضحكنا زياد الرحباني على مآسينا حين كنا نحتاج الى البكاء، وأطربنا بألحان لا تموت، حين كان الموت يغزو مخيلاتنا.
وضع حياة في الحياة، وكما السيد المسيح، يطأ موتاً بالموت.
بين جورج وزياد، يسارية إنسانية، وخروج عن العلب الطائفية، وانتفاضة على الواقع، وثبات على خط مقاوم، وصرخة من أجل قضية فلسطين.
أما الفرق بينهما، فهو أن زياد اختار الرحيل وجورج صمد حتى العودة!
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/Ehc1NGyVORWJ7prOx0lUgD














