
| عامر علي |
أثار إقرار اللجنة المالية في مجلس النواب مشروع قرار يقضي بتمديد العقوبات المفروضة على سوريا (قيصر) وينزع صلاحيات الرئيس في منح استثناءات منها من دون مبرّر، ويربط رفعها بتحقيق جملة من الشروط، تساؤلات عديدة حول التوجه الأميركي الحقيقي تجاه دمشق، خصوصاً أن هذا الإجراء تزامن مع مساعٍ أميركية مُعلنة ومستمرة للانفتاح على سوريا، ودفع الاستثمارات فيها.
وتوازى مشروع القرار الذي قدّمه رئيس اللجنة الفرعية المعنية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة للشؤون الخارجية في المجلس، النائب الجمهوري مايك لولر، وتمّ تمريره بعد موافقة 31 نائباً ومعارضة 23، مع إعلان السفارة الأميركية في إسطنبول عقد لقاء بين وفد من وزارة الخزانة الأميركية، ومسؤولين عراقيين وأتراك وسوريين، بهدف بحث إجراءات رفع العقوبات المفروضة على سوريا، بموجب القرارات التي أصدرها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والتي تضمّنت إنهاء للعقوبات الرئاسية بشكل مباشر، وتجميداً لمدة 180 يوماً للعقوبات المفروضة على سوريا بموجب قرارات تشريعية (التي يقرّها الكونغرس، مثل قانون قيصر).
وعلى الرغم من أن التباين الواضح في السياسة الأميركية، قد يرسم ملامح انقسام داخل الإدارة، فإنه يتّسق بشكل مباشر مع الطريقة التي تحاول واشنطن إدارة الملف السوري بها، والمتمثّلة بسياسة «العصا والجزرة»، في مهمة يديرها بشكل مباشر المبعوث الخاص إلى سوريا، توماس برّاك، والذي يشغل منصب السفير الأميركي في تركيا. على أن نظرة على تصريحات برّاك خلال الأيام القليلة الماضية من الممكن أن توضح الصورة؛ إذ إن المبعوث الأميركي الذي كان شديد اللهجة تجاه ضرورة عدم إقامة فيدراليات في سوريا، والمتحمّس بشكل كبير للمشروع السوري «الذي يُحتذى به»، غيّر موقفه بشكل مباشر بعد أن تدخّلت إسرائيل على خط الصراع السوري، تحت عباءة «حماية الدروز»، فراح يتحدّث عن مستقبل قاتم ممكن للبلاد.
وبينما تمثّل إسرائيل بالنسبة إلى البيت الأبيض «خطاً أحمر غير قابل للتفاوض»، ظهر هذا الأمر في كل مفاصل المباحثات السورية – الأميركية المباشرة وغير المباشرة التي سبقت انفتاح واشنطن على الإدارة السورية الجديدة؛ إذ قدّم الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، كل ما يمكن تقديمه من ضمانات حول أمن إسرائيل. كما أبدى انفتاحاً غير مسبوق على تطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب، وخاضت إدارته لأجل ذلك سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين إسرائيليين، أملاً في الوصول إلى اتفاقية أمنية قد تمهّد لتطبيع العلاقات.
غير أن سياسة الصفقات التي يعتمدها الرئيس الأميركي في إدارة الملفات، والتي اتّبعها في إزالة العقوبات المفروضة على سوريا، بوساطة سعودية، محاولاً اعتماد مقاربة لموازنة الدورَين السعودي والتركي، لم تمنع إدارته من الاستمرار في التلويح بسلاح العقوبات الاقتصادية. ويُضاف إلى ذلك، أن هذه السياسة بُنِيت أساساً على جملة من الشروط الفضفاضة، والتي تمنح واشنطن مساحة واسعة للتقلّب بين موقف وآخر، بحسب المتغيّرات في الملف السوري، الأمر الذي حوّل ملف العقوبات إلى سلاح ابتزاز فعّال يسهل استعماله في أيّ وقت، حتى بعد رفع العقوبات.
والجدير ذكره، هنا، أن مشروع القانون الجديد، وعلى الرغم من تمريره من قبل لجنة الشؤون المالية في مجلس النواب، لا يمكن اعتباره قانوناً بشكل فعلي؛ إذ يمرّ هذا المشروع بسلسلة طويلة من الإجراءات البيروقراطية، في مجلسَي النواب والشيوخ، قبل أن يصل إلى البيت الأبيض، ليقوم الرئيس بالتوقيع عليه، ما يجعل مجرّد تمريره في المرحلة الأولى أشبه بالتلويح بالسيف، الذي تتطلّب إعادته إلى غمده رضوخاً واضحاً للشروط الأميركية، المُعلنة منها وغير المُعلنة.
أمام هذه المعادلة، يأتي إعلان السعودية عقد صفقات لإقامة مشاريع في سوريا بقيمة تبلغ نحو 4 مليارات دولار، والذي عُدّ مؤشراً إلى أن العقوبات الأميركية لن تعود، ومحاولة لتكريس خريطة التحالفات الجديدة في المنطقة، والتي باتت تلعب فيها الرياض دوراً بارزاً. غير أن هذه الصفقات، لا يمكن أن تمنع واشنطن من المضي قدماً في سياسة الابتزاز عندما يتعلّق الأمر بخطوطها الحمر، والتي تتضمن بالإضافة إلى حماية المصالح الإسرائيلية ودعمها، رضوخاً دائماً ومستمراً لها، وهو أمر تدركه جيداً الرياض وأنقرة، الحليفتان للإدارة السورية الجديدة.
ويأتي هذا فيما تخوض الأخيرة، هذه الأيام، واحداً من أصعب الاختبارات السياسية منذ تولّيها السلطة قبل ثمانية أشهر، خصوصاً أن المزاج الغربي بشكل عام بدأ يتغيّر تجاهها مع استمرار حالة «الهشاشة الأمنية»، واستمرار ارتكاب المجازر وعدم محاسبة مرتكبيها بشكل حقيقي، وعدم وفائها بتعهداتها حيال الفصائل المتشدّدة، وعدم التزامها بالشروط الإسرائيلية، والتي كلّفتها خسائر كبيرة خلال الأيام الماضية، وفتحت الباب أمام إسرائيل لرسم معالم خريطة جديدة في المنطقة.













