الأربعاء, فبراير 25, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةشريط الاحداثأميركا في سوريا: تناقضات بالجملة

أميركا في سوريا: تناقضات بالجملة

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| خضر خروبي | 

السياسة الأميركية في سوريا تتخبّط بين دعم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لضبط الجنوب والتقارب مع إسرائيل، وبين تخفيض المساعدات وقلق الحلفاء من تداعيات ذلك.

تمخّضت الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء السورية، عن جملة تساؤلات، سواء لناحية ما أبرزته من تناقضات بين أولويات حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بوجه عام، وسوريا بوجه خاص، من جهة؛ أو لناحية إعادة تظهيرها لواقع سياسة واشنطن السورية المتناقضة مع نفسها، من جهة ثانية.

بين حسابات الشرع وأهداف إسرائيل

على المقلب السوري، توقّف محلّلون عند تجلّيات تضارب الحسابات المحلّية والإقليمية لحكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، مع الطموحات الإستراتيجية لكيان الاحتلال، ومتطلّبات حلفاء إقليميين آخرين لواشنطن، ربطاً بالتطوّرات الأخيرة. فمن جهتها، رأت مجلة «ذي إيكونوميست» أنّ تحريك الشرع لقوّاته في اتّجاه محافظة السويداء، يندرج ضمن مساعي الرجل «لإخضاع الأقليّات السورية، بما فيها الدروز، بدلاً من المصالحة معهم ودمجهم في دولة تحترم التعدّدية»، وكذلك «لجعل سوريا أحد الأقطاب السنّية في المنطقة». واعتبرت أنّ تلك المساعي تطرح نفسها كـ«نقيض لدور إسرائيل، التي تعتبر نفسها القوّة الإقليمية المهيمنة، والحامية للأقليّات».

ومع هذا، أشارت إلى أنّ حكومة دمشق تركّز على ترتيب وضعها الداخلي، بقصد استكمال سيطرتها بالقوّة العسكرية على سائر المحافظات الخاضعة لفصائل مسلّحة غير تابعة لها، قبل أيّ اعتبار خارجي آخر، لا سيّما في ما يخصّ تل أبيب، بالنظر إلى «استيعاب» الشرع ضربات إسرائيل المتكرّرة للأراضي السورية، وتوغّلها شرق خطوط الهدنة، وما يُتداول عن لقاء الأخير، مسؤولين إسرائيليين في كل من الإمارات وآذربيجان.

بناءً على ذلك، ينظر مراقبون غربيون إلى أحداث السويداء، بوصفها «تهديداً» لبرنامج الشرع على الصعيدَين الداخلي والخارجي. ففي حين اعتبرت صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ تلك الضربات «قد تُعرقل الخطوات المضطربة» من جانب دمشق لتحسين علاقاتها مع تل أبيب، وتعزيز تقاربها مع واشنطن، شدّدت صحيفة «واشنطن بوست» على أنّ ما جرى شكّل «تحدّياً إضافياً» لنظام الشرع، وخصوصاً على مستوى تطلّعاته إلى «إعادة ترسيخ حكم مركزي، وسط مناخ من انعدام الثقة بهذا النظام في صفوف الأقليّات، ونوبات متتالية من العنف الطائفي، فضلاً عن التحدّيات الإسرائيلية المستمرّة للسيادة السورية».

في المقابل، شكّك البعض في احتمال تأثير الهجوم الإسرائيلي على واقع «الانسجام الأمني» بين تل أبيب ودمشق؛ إذ ذهب مدير الأبحاث في «جامعة ليون 2» في فرنسا، فابريس بالانش، إلى أنّ «إسرائيل والشرع قد عقدا اتّفاقاً بالفعل» في شأن الجنوب السوري، واصفاً الغارات الجوية الإسرائيلية ضدّ القوات الحكومية بأنها «رمزية في الغالب»، ومبيّناً أنّ «أولوية الغرب، والجهات الإقليمية المعنيّة تتمثّل في الحفاظ على استقرار سوريا، حيث ستتمّ التضحية بالأقليات، إذا ما لزم الأمر لتحقيق تلك الغاية».

وبالحديث عن الرسائل التي أراد النظام السوري توجيهها عبر عمليّته العسكرية في السويداء، طرح موقع «المونيتور» تساؤلاً مفاده: «هل يمكن اعتبار حملة الشرع العسكرية ضدّ الدروز تحذيراً مبطّناً لأكراد سوريا؟». وتابع أنّ «أكراد سوريا يتابعون مجريات الأحداث في السويداء عن كثب»، موضحاً أنّ «دمشق تريد من قسد، الانسحاب الفوري من مناطق سيطرتها الواقعة شرق نهر الفرات، ومن منطقة دير الزور ذات الأغلبية العربية»، بينما «ترفض قسد الاستجابة لهذه المطالب، بدعوى حاجتها إلى ضمانات من الحكومة المركزية، بالحصول على قدْر معيّن من الاستقلالية، ولا سيّما على الصعيد العسكري، قبل إبرام أيّ اتفاق نهائي معها».

ووسط تقديرات بأنّ ما تُطالب به «قسد» يتجاوز بأشواط ما يبدي الشرع استعداداً لقبوله، فإنّه «لن يكون من المستغرب في المدّة المقبلة، أن يُصار إلى تحريض القبائل العربية التي تعيش في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على الثورة ضدّ تلك القوات، وهو ما سيمنح القوات الحكومية ذريعةً للتدخّل في دير الزور كما فعلت في السويداء»، وفقاً لـ«المونيتور».

تناقضات واشنطن السورية

وأشار «المونيتور» إلى أنّ الفصائل الكردية «تتعرّض لضغوط دولية متزايدة، وتحديداً من جانب المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، بهدف قبول دمج قواتهما مع القوات التابعة لدمشق»، موضحاً أنّ المؤشرات بخصوص التعاطي الأميركي المحتمل في حال وقوع السيناريو المشار إليه، «ليست مشجّعة إلى حدّ كبير»، بعدما سحبت الولايات المتحدة، خلال الأشهر الماضية، المئات من قواتها المنتشرة في مواقع «قسد»، بما في ذلك تلك الواقعة في دير الزور، وتأكيد برّاك نفسه أنّ الجيش الأميركي «لا يخطّط للبقاء في سوريا إلى الأبد».

وفي موازاة حديث محلّلين غربيّين عن تناقضات تعتري السياسة الأميركية في سوريا، ولا سيّما في ما يخصّ نيّتها تعزيز حكم الشرع، وفي الوقت نفسه كبح جماح الجماعات «الجهادية» المتطرّفة هناك، كتنظيم «داعش»، استعرضت مجلة «فورين بوليسي» جانباً آخر، وإنْ بطابع اجتماعي – اقتصادي، لتلك التناقضات، إذ اعتبرت أنّ المسوّغات التي ساقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لرفع العقوبات عن سوريا، عبر الإعلان عن عزمه منح الشعب السوري «فرصة للاستقرار والسلام»، يتعارض مع ما بادر إليه العهد الأميركي الجديد، حين أوقف عمل «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID)، التي تُعتبر إحدى أبرز أذرع السياسة الخارجية لواشنطن.

ففي مقال حمل عنوان: «في سوريا: (سياسة) ترامب تتصادم مع نفسها»، لفتت المجلة إلى أنّه «وفي سبيل تحقيق أهداف السياسة الأميركية الجديدة»، والتي ترتكز على التعاطي مع الشرع بوصفه «الخيار الوحيد المتاح، لتحقيق الاستقرار»، «وإنفاذ ما ترغب به الولايات المتحدة في سوريا» على أكثر من صعيد، كالتعاون في مكافحة «الإرهاب»، وتحسين العلاقات مع إسرائيل، فإنّ البيت الأبيض معنيّ في الوقت عينه بالقيام بما من شأنه «تغليب رهانات ترامب المتعلّقة باستقرار سوريا، على ما يقابلها من عقبات سياسية هائلة سبق وأن أرساها الرئيس ذاته» في هذا الخصوص، وفي طليعتها قراره إغلاق «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، التي تولّت تقديم ربع المساعدات الدولية المقدّمة للسوريين العام الماضي، وفق «فورين بوليسي».

وانطلاقاً من تقارير أمميّة تؤكّد حاجة ثلثي السوريين إلى مساعدات خارجية خلال عام 2025، لمّحت المجلة إلى أنّ الإدارة الأميركية تعاني حالة من «الصراع الداخلي»، وذلك بالنظر إلى ما تبديه من «استعداد للتخطيط لمسار براغماتي» في ملفّي العقوبات، ومواصلة إصلاح العلاقات مع الشرع، من جهة، وبالنظر إلى ما أقدمت عليه من «تخفيضات متهوّرة للمساعدات الخارجية»، والتي يخصّص قسم منها لسوريا، من جهة أخرى.

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img