الثلاثاء, فبراير 24, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةأسئلة برّاك حول "وظيفة" السلاح!

أسئلة برّاك حول “وظيفة” السلاح!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

الدولة قرار، وليست ثرثاراً. وعندما تقول، عليها أن تفعل، وإلاّ ستبقى مجرّد متسوّل يقف عند المفترق، يتسوّل الحلول من عابري السبيل الدولي.

فاض وعاء الكلام في الآونة الأخيرة، طفح بما فيه الكفاية، حتى أن الأميركي توماس برّاك شاركنا في كرنفال الثرثرة، والبهورة، وأعطانا من طرف اللسان حلاوة، ولم يقصّر في اختيار ما تشتهيه أذن المسؤول من عبارات الثناء والإطراء، لكن في حضرة الحقيقة، قال كلاماً مغايراً: “تصبحون على خير، وعندما تستيقظون على دولة قادرة على تنفيذ قراراتها، أحيطونا علماً بذلك”!

حتى البطريرك الكاردينال بشارة الراعي، حضر من الديمان إلى القصر الجمهوري ليستوضح جديّة “الهيصة”، وحقيقة القرقعة في الدست اللبناني، وليخرج من مكتب الرئيس مطمئناً، ويطمئن اللبنانيّين بأن البلد غير متروك، وهناك دولة ـ أو دول ـ كبرى تهتم.

البلد غير متروك؟ هذا صحيح. فالأميركي هنا، والإيراني، والإسرائيلي. و”الخماسيّة” هنا، وقبلها وبعدها مروحة واسعة من الدول المشاركة في قوات “اليونيفيل”. وقد حوّلت هذه الوفرة الوافرة البلد إلى ساحة لتغليب المصالح، وتسديد الحسابات، حجّتها “ذبابة لافونتين”، تتمظهر بدفع العربة إلى الأمام فيما الحصان اللبناني أعرج يتضوّر!

لقد وفّرنا كلّ الأسباب الموجبة للساحة. حريّة فضفاضة تحاكي الفوضى والتسيّب. طائفيّة طافحة، ومذهبيّة متفشيّة، وفئويّة طافية، ونكد سياسي، وكيديات، وولاءات، ورهانات، وإرتهانات، ولم يبق من متن الوطن سوى هيكل متصدع يتكئ على أعمدة الفساد، والصفقات، والسمسرات، ويحتكم إلى قانون “مرّر لي، كي أمرّر لك”!

كنّا ساحة مطلع الإستقلال، هيأتها ظروف داخليّة وعربيّة لإستقبال أفواج اللاجئين بعد نكبة فلسطين. وكنّا ساحة لإستقبال المدّ الناصري بزخمه وعصبيته. وكنّا ساحة لإستقبال الثورة الفلسطينيّة، حيث إستولت كوفيّة “أبوعمار” على الكثير من مقومات الدولة، من “إتفاق القاهرة” إلى الجنوب، و”فتح لاند”، إلى العاصمة بيروت ومؤسساتها، ومرجعياتها، وقراراتها. وكنّا ساحة للمدّ السوري، الذي دخل ممّوهاً بلباس الإطفائي، لمحاصرة الحريق الأهلي الذي كان واحداً من أبرز مفتعليه!

حانت فرصة سانحة بعد إغتيال الرئيس رفيق الحريري، وإنسحاب القوات السورية من لبنان نهاية نيسان 2005، لكن لم نهتدِ السبيل لبناء الدولة القويّة القادرة والعادلة، لسببين:

الأول: لأن قادة الأحزاب الميليشيويّة، التي جاء بها إتفاق الطائف من الزواريب الطائفيّة والمذهبيّة لبناء الدولة، قد أتقنوا الفساد، والنهب، وكانوا روّاداً في تمرير الصفقات، وترتيب السمسرات. وبدلاً من أن يبنوا، إستباحوا ما تبقّى من خيرات الدولة، ومقدراتها، لتحصين دويلاتهم، وإقطاعياتهم… وكان ما كان، إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه.

الثاني: أن المدّ الإيراني نحو المتوسط كان قد بلغ شأواً بعيداً، واغتصبت بندقيّة “تصدير الثورة” قرار الحرب والسلم في لبنان، وبدأ ضابط “الحرس الثوري” يؤكد هيمنته على عواصم عربيّة أربع، ويتصرّف وكأنه المؤتمن على القضيّة الفلسطينيّة من شعابها حتى محرابها. أما الهدف من وراء ذلك يكمن في توسيع رقعة نفوذه، وتكريس هيمنته على ما كان يعرف بـ”المحور الممانع”، وسعيه الحثيث نحو المجتمع الدولي كي يدخله من الباب الواسع لإبرام الصفقات، وتوسّع دائرة المصالح، والفوز بمقعد ضمن صفوف صنّاع القرار.

إستنطق توم برّاك من التقاهم من مسؤولين، أو مغمورين بنعم الطائفيّة والمذهبيّة، عن ماهيّة السلاح بعد أن وصل لبنان إلى ما وصل إليه. كان حديثه مقنعاً، وإنطلق ـ طبقاً لسرديات متداولة ورا الكواليس ـ من تساؤلات عدّة، أبرزها: إذا كان حامل السلاح يقف وراء الدولة، فلماذا لا يجيّره في خدمتها؟ إذا كان يريده، ويتمنطق به في الداخل لكي يعربش على أكتاف النظام، فلماذا يقول إنه مع الطائف، ويحترم الطائف، ويؤيد الطائف؟ وإذا كان يريد الدفاع عن الجنوب، ومواجهة “إسرائيل”، فلماذا سعى إلى وقف لإطلاق النار، وفوّض “الأخ الأكبر” ليتولّى المفاوضات نيابة عنه مع آموس هوكشتاين للتوصل إلى إتفاق؟ وإذا كان يريد مساندة “حماس”، ودعم “غزّة”، كما بادر في اليوم الثاني من “طوفان الأقصى”، فلماذا توقف، وقَبِل بشروط إتفاق وقف إطلاق النار؟ وإذا كانت مصادرته لقرار الحرب والسلم هو الدفاع عن الجنوب والجنوبيّين، ولبنان واللبنانيين، فإن مهمّة السلاح التي إنطلقت من العام 2000، قد أوصلت لبنان إلى ما هو عليه الآن، مزيد من الإحتلال الإسرائيلي لمواقع إستراتيجيّة، وتدمير العاصمة بيروت، والقرى والبلدات في الجنوب والبقاع، وإتلاف الأراضي الزراعيّة، وإستباحة الأجواء اللبنانيّة، وإصابة المئات بين شهيد، وجريح، ومعوّق، وترك وطن يرقص على كفّ عفريت في ظلّ التحديات التي تحاصره من داخل، وخارج؟

قالها صريحة: “ليكن قرار الحرب والسلم في عهدة الدولة. ليكن السلاح في عهدة مؤسساتها الرسميّة، وعندما يتحقق ذلك سنكون جاهزين للمساعدة”.

لكن “سعادته” يعلم بأن الدولة لا تزال تبحث عن الوطن لتعيد تركيب أشلائه المبعثرة بين الأحزاب الميليشيويّة، والطوائف والمذاهب، والعصبيات. الوطن لا يزال ساحة. الأميركي هنا. الإسرائيلي أيضاً. والإيراني أيضاً وأيضاً.. فضلاً عن تهافت شبكات المصالح المتشابكة بين دول قريبة، وأخرى بعيدة، عينها على هذا الجسر الطبيعي ما بين الشرق والغرب.

• هل تفتح قرقعة السلاح صفحة جديدة؟

الجواب معلّل بحجتين:

– الأولى أنه لا بدّ من حوار بين إيران والولايات المتحدة مهما طال خطاب المكابرة. وأي إتفاق برفع العقوبات، سيأخذ بعين الإعتبار الكثير من الملفات الجانبيّة، بينها لبنان.

– الثانية: أبواب “الإتفاقيات الإبراهيميّة” مفتوحة على مصراعيها. حدّثنا برّاك عن سوريا، والمدى الذي بلغته على طريق التغيير السريع. أراد لنا أن نتشبّه، ونقرأ جيداً المتغيّرات من حولنا. قد نفعل ذلك عندما نتحول من ساحة إلى وطن بعهدة الدولة. والخشية كل الخشية أن نبقى ساحة مشلّعة، مشرّعة الأبواب والنوافذ كرمى عيون من يستغلّ السلاح، ويستثمر به لحسابات جهويّة ـ إقليميّة”!

إضغط على الرابط للإنضمام إلى مجموعات “الجريدة” على “واتس آب”

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img