| ناديا الحلاق |
في ظل الانهيار الاقتصادي المتواصل، باتت التجارة الإلكترونية في لبنان متنفساً للعديد من البائعين والمستهلكين، حيث انتشرت المتاجر الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي كالفطر بعد المطر.
لكن هذا الانتشار الواسع والسريع جرى بمعزل عن أي رقابة أو تنظيم رسمي، ما أدى إلى حالة من الفوضى على مستوى الجودة، التسعير، وحقوق المستهلك.
يعتمد عشرات الآلاف من اللبنانيين يومياً على صفحات “إنستغرام” و”فيسبوك” لشراء الملابس، الإلكترونيات، مستحضرات التجميل، وحتى الأدوية والأطعمة. لكن على عكس المتاجر التقليدية، فإن معظم هذه “الدكاكين الرقمية” غير مسجلة رسميًا، ولا تخضع لأي نوع من الرقابة المالية أو الصحية، ما يعرّض الزبائن لعمليات احتيال أو تلقي منتجات مغشوشة دون أي وسيلة حقيقية للمحاسبة أو الشكوى.
ولأن الدولة غائبة، والمستهلك مكشوف، بدأت المخاطر تتراكم: من عمليات احتيال متكررة، إلى منتجات مقلّدة أو منتهية الصلاحية، إلى انعدام أي وسيلة للشكوى أو استرجاع الحق.
يشكو العديد من المواطنين في لبنان من تعرضهم لعمليات خداع واضحة في إطار التجارة الإلكترونية، إذ دفع بعضهم مبالغ مالية مسبقاً مقابل سلع لم تصلهم إطلاقاً، فيما تلقّى آخرون منتجات تختلف كلياً عن تلك التي طلبوها، سواء من حيث المواصفات أو الجودة.
وتبرز شكاوى متزايدة من مستحضرات تجميل مقلّدة تسببت بتهيجات جلدية وأضرار صحية، أو ملابس رديئة الصنع لا تمتّ بصلة للصور المعروضة عبر الصفحات، وغالباً ما تُسلَّم من دون أن يُسمح للزبون بتفقدها قبل الدفع.
المُلفت أن عامل التوصيل، الذي غالباً ما يكون الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة التجارية غير المنظّمة، يرفض بشكل قاطع أن يفتح الزبون الأكياس أو يتحقق من محتوياتها وكأن الاتفاق الضمني يقوم على قاعدة “ادفع أولاً، ثم اشتكِ لاحقاً”… إن استطعت.
وفي ظل هذا الواقع، تغيب الجهات الرسمية عن المشهد تماماً. فلا وزارة الاقتصاد تراقب طبيعة هذه الصفحات، ولا وزارة الصحة تتابع ما يُسوَّق من مستحضرات دوائية أو تجميلية تحمل أسماء أجنبية غير معروفة، وغالباً ما تكون مهربة أو منتهية الصلاحية.
وهكذا، يجد المستهلك نفسه عالقاً بين فوضى التسويق الرقمي وغياب الحماية القانونية، في ساحة افتراضية تشبه الغابة، لا قوانين فيها سوى شطارة البائع ومخاطرة المشتري.
وإذا كانت التجارة الإلكترونية قد شكّلت طوق نجاة لكثير من العائلات التي وجدت فيها مصدر دخل، إلا أن استخدامها دون إطار قانوني واضح حوّلها إلى سيف ذي حدين. فالربح الآني لبعض البائعين لا يعوّض الثقة المفقودة لدى المستهلك، ولا يعوّض أيضاً الخسائر التي تتكبّدها الدولة جراء التهرب الضريبي، إذ إن الغالبية الساحقة من تلك الصفحات تعمل خارج السجل التجاري وتتعامل نقداً أو عبر تحويلات مباشرة إلى أرقام هاتفية.
في دراسة لمعهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، نُشرت عام 2023، تبيّن أن نحو 78% من البائعين الرقميين في لبنان غير مسجّلين قانونياً، وأن أكثر من 60% من المستهلكين واجهوا مشاكل تتعلّق بجودة المنتج أو عملية التسليم أو حتى عدم استلام المنتج نهائياً.
ومع أن لبنان سبق أن وقّع على اتفاقيات دولية تخص التجارة الرقمية، إلا أن غياب القوانين التنفيذية، وعدم وجود هيئة رقابية متخصصة، جعلا كل تلك الاتفاقيات حبراً على ورق. وما يُثير الدهشة أكثر، هو أن وزارة الاقتصاد لا تملك حتى اللحظة قسماً مخصصاً لمتابعة الشكاوى المتعلقة بالتجارة الإلكترونية، وتتعامل مع القضايا التي تصلها بشكل فردي، غالباً من دون نتيجة.
أمام هذا الواقع، تُطرح تساؤلات ملحّة: من يحمي المستهلك؟ ومن ينظم العلاقة بين البائع والمشتري؟ وهل يجوز الاستمرار في تجاهل هذا القطاع الذي يتوسّع يوماً بعد يوم على أنقاض الثقة؟ الإجابات لن تأتي إلا من خلال قانون عصري شامل ينظّم التجارة الإلكترونية، ويحدد شروط الترخيص، ويضمن آليات المحاسبة، ويؤسس لهيئة رقابية إلكترونية تتابع السوق الرقمي تماماً كما تتابع الدولة الأسواق التقليدية.
التجارة الإلكترونية ليست شراً بحدّ ذاتها، بل هي فرصة اقتصادية واعدة في عصر التكنولوجيا. لكن كما في كل شيء، حين يترك الباب مفتوحاً بلا حراسة، تتسرّب الفوضى ويتكاثر الغش ويتراجع الأمان. أما الحلّ، فليس بإقفال الباب، بل بتنظيمه.. كي تدخل منه الفائدة، ويُمنع من خلاله الضرر.













