| جورج علم |
يحتاج المسار الدبلوماسي إلى ديناميكيّة إستثنائيّة. ليس المهم التقدّم ببطاقة تعريف، ودخول الصف، والتقيّد بالإنضباط العام للحصول على النتائج المرجوّة، بل يفترض أخذ المبادرة، ولفت أنظار الإدارة، وجذب الإهتمام العام نحو الجهود المبذولة لتحرير السيادة من مغتصبيها.
ما يجري على المسار الدبلوماسي يثير الملل، ويعكس صورة واضحة عن العجز في إبتكار الأساليب المنشّطة. وكأن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها، أو شبه إستحالة عند من أوكلت اليهم إنجاز المهمّة.
“إسرائيل” تحتل، وتقصف، وتدمّر، وتغتال، وتستبيح الأرض، فيما الأميركي يرى، ويراقب، ويصمت، ويتبنّى مطالب المحتل، ويقدم له الدعم بالمال والسلاح، والتقنيات، والخبرات. أما لبنان فينتظر، ويعوّل على المصداقيّة الأميركيّة لحمل “إسرائيل” على تطبيق إتفاق وقف إطلاق النار، وتنفيذ القرار1701.
لم يسقط الدور الفرنسي من الحسابات اللبنانيّة. لكن لبنان الرسمي يعرف جيداً مدى نقاط الضعف المتحكّمة في هذا الدور، ويعرف أنها تتجأوز بكثير نقاط القوّة المحدودة التأثير والفعاليّة في ملعب دونالد ترامب.
ويعرف لبنان الرسمي أن ترامب وحده القادر على ردع “إسرائيل”، ووقف إعتداءاتها، وإجبارها على الإنسحاب من النقاط التي تحتلها، وتقيدها بأحكام إتفاق وقف إطلاق النار، وتسهيل الجهود الهادفة إلى ترسيم الحدود البريّة طبقا لإتفاق الهدنة 1949.
ويعرف لبنان الرسمي أن المسار الدبلوماسي الذي ينتهجه، ويراهن عليه، عاجز أن يخاطب الإدارة الأميركيّة من موقع الند للند، وينتظر سعاة الخير من دول شقيقة وصديقة، لعلّ وعسى.
ويقف المسار الدبلوماسي عاجزاً أمام الإعصار الترمبي، فالجائحة هوجاء، متقلّبة، فجائيّة، مزاجيّة، غريبة الأطوار، مصدرها رئيس لا يقيم وزناً للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ولا للقوانين والأعراف والمواثيق التي كرّست الإنتظام العالمي العام بعد الحرب العالميّة الثانية.
رئيس يريد تحويل كندا إلى مقاطعة أميركيّة، وإحتلال غرينلاند، ووضع اليد على قناة بنما، وإعفاء السفن الأميركيّة من الرسوم عند مرورها بقناة السويس، وتحويل غزّة إلى “ريفييرا سياحيّة”.
رئيس يشعل حرباً إقتصاديّة عالمية مدمّرة من خلال الرسوم الجمركيّة التي يفرضها من دون حسيب أو رقيب، ويبرّرها بشعارات شعبوية يطلقها جزافاً.
رئيس ينفّذ بالحديد والنار مخططاً عنوانه “الشرق الأوسط الجديد”، بالتكافل والتضامن مع بنيامين نتنياهو، ويقدّم له كل صنوف الدعم، سياسيّاً ودبلوماسيّاً وعسكريّاً ولوجستيّاً وماليّاً وإقتصاديّاً ومعنويّاً. فهل يستطيع المسار الدبلوماسي أن يقنع هكذا رئيس بالضغط على تل أبيب كي تستجيب لمتطلّبات وقف إطلاق النار، وتنفيذ القرار 1701؟
هناك بارقة أمل يمكن أن تتحوّل إلى غمر من الضوء، كونها تستند إلى منطق يقول إن دونالد ترامب مطوّر عقاريّ ناجح، تمكّن من الفوز بصلاحيات رئيس أغنى وأقوى دولة، وبالتالي ما يعنيه هو الدولار، والصفقة، والمشاريع المربحة، والمصالح المشتركة.
وبين ترامب والرئيس جوزاف عون، هدف مشترك عنوانه خطب ودّ المملكة العربيّة السعوديّة، ودول مجلس التعاون الخليجي.
الأول يريد المشاريع، والإستثمارات، وتريليونات الدولارات. فيما الثاني يريد من هذه الدول الشقيقة، والغيورة على لبنان، أن تطلب من الأميركي الوفاء بإلتزاماته، لجهة وضع إتفاق وقف إطلاق النار الذي هندسه آموس هوكشتاين موضع التنفيذ، وإرغام “إسرائيل” على الإمتثال لمندرجات القرار 1701.
إن المصالح المشتركة توفّر منافع مشتركة. والعلاقات ما بين دول الخليج، والرئيس المطوّر العقاري، لا تقوم على العاطفة، بل على “البزنس”، والرقم، والصفقة، ونسبة الأرباح. العاطفة لا طريق لها إلى قلب ترامب، بل الرقم، والسهم. وبناء على ما تقدّم، يمكن لبعض دول مجلس التعاون أن تقنع ترامب بدعم مسيرة إعادة بناء لبنان، فعلاً لا قولاً.
وللحصول على مثل هذا الإمتياز الخليجي، يفترض بناء جدار الثقة حجراً بعد الآخر، ومدماكاً فوق مدماك، لكي يأتي في المقبل من الأيام ما عجزت عنه السنوات العجاف، إنطلاقاً من أن أبواب العواصم الخليجيّة مفتوحة على غاربها أمام الرئيس عون، وتستقبله بحرارة وحفاوة، وتفتح صدرها لتفهّم هواجسه، وإحتضان مطالبه. لكن هذا لا يكفي، لأن المطلوب خطوات لا بدّ منها.
الأولى: وضع القول موضع الفعل. ووضع حدّ للشعارات، والخطابات، والمزايدات، والقيل والقال، في الداخل. هناك خطوات مطلوبة لا بدّ من الإقدام عليها، وإنجازها. ويجب على المتغيرات أن تخرج إلى العلن، وتفرض نفسها على أرض الواقع كحقائق ملموسة.
الثانية: إن المسار الدبلوماسي المتبع، “أعور”، بحاجة إلى رؤى جديدة تحاكي التحديات. و”أعوج” بحاجة إلى تقويم من خلال فريق عمل يضم شخصيات مرموقة، لها وقعها في الخليج، لبناء جسر تواصل من دون عوائق، ومطبات، ووضع الأمور في نصابها، ومعالجتها برويّة للوصول إلى أرض صلبة يمكن البناء عليها، والإنطلاق منها، لإنجاح المسيرة، وإعادة بناء لبنان، بشراً وحجراً ونظاماً ومؤسسات.
الثالثة: إن ما يجري في الداخل السوري، معطوفاً على ما يجري في الداخل اللبناني من غطرسة إسرائيليّة، إلى ما يجري في غزّة، وفي صنعاء، إلى ما يجري بين أميركا وإيران…إنما يؤشر إلى تغيير كبير بدأ يقتحم أبواب المنطقة، حيث ينتصب شبح التفتيت، والتفكيك، والشرذمة… فهل من يقظة وعي سريعة لتفعيل المسار الدبلوماسي، قبل أن يطبق الشرق الأوسط الأميركي ـ الإسرائيلي على لبنان، وبعض دول المنطقة، ويمعن فيها تمزيقاً وشرذمة؟













