تصوير: عباس سلمان

“التدقيق الجنائي” يفتح التحقيق: من هم المستفيدون من رياض سلامة؟

| خاص “الجريدة” |

فتح التحقيق الجنائي في مصرف لبنان، ثم مطالعة النيابة العامة التمييزية في التقرير الذي خلصت إليه الشركة التدقيق الجنائي، “ألفاريز & مارسل”، كوة في الجدار السميك الذي كان يغطي السياسات التي اعتمدها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، والتي كانت سبباً في الانهيار المالي وفقدان أموال المودعين وحصول فجوة مالية ضخمة في مصرف لبنان.

ومع أن تقرير التدقيق الجنائي ليس كاملاً، لأن حاكم مصرف لبنان لم يسلّم شركة “ألفاريز & مارسل” كل المعلومات التي طلبتها، إلا أن ما كشفه التدقيق الجزئي كان كافياً لإعطاء مؤشرات كبيرة، ولأول مرة، عن حجم الإرتكابات والفوضى المالية التي كانت سائدة في مصرف لبنان، خصوصاً لجهة اعتماد هندسات مالية هي في حقيقة الأمر رشاوى شراء ذمم وتنفيعات لمصارف وأشخاص كانوا يدورون في فلك حاكم المصرف آنذاك رياض سلامة الذي سقطت ورقته أخيراً، وأصبح مطلوباً على المستوى الدولي.

وفي انتظار أن تبدأ التحقيقات التي طلب العام التمييزي القاضي غسان عويدات المباشرة بها من النيابة العامة المالية والنيابة العامة الاستئنافية في بيروت وهيئة التحقيق الخاصة، وما يمكن أن تصل إليه من معطيات حول الجهات والأشخاص الذين استفادوا من “التوزيعات” المالية المباشرة أو غير المباشرة، والتي قد تشكّل فضيحة من العيار الثقيل، خصوصاً أن اللائحة كبيرة، وأن “الهبات” المباشرة بلغت 111 مليون دولار، فإن العيون ستتركز على الهندسات المالية التي شكّلت الحصة الأكبر من الهدر واستفادت منها المصارف بنسب مختلفة بمليارات الدولارات، فإن التحقيق الذي كانت تتولاه النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون سيكون نقطة محورية في هذه التحقيقات، خصوصاً أنها كوّنت صورة مبدئية قادت إلى الادعاء على عدد من المصارف بأكثر من جرم، من بينها تبييض الأموال، الإثراء غير المشروع، إساءة الأمانة ومخالفة قانون النقد والتسليف، ورفض كشف حسابات رياض سلامة وزوجته وصديقتيه ماريان الحويك وستيفاني صليبا.

وشمل تلك الادعاءات رؤساء مجالس إدارات المصارف التالية: أنطوان صحناوي ـ سوسيته جنرال، سعد الأزهري ـ لبنان والمهجر، سمير صفير ـ بنك بيروت، ريا الحسن ـ البحر المتوسط، جوزيف طربيه ـ الاعتماد اللبناني، طارق خليفة ـ الاعتماد المصرفي، سمير حنا ـ عودة، ماريو سرادار ـ سرادار، سامر عيتاني ـ لبنان والخليج.

وبالتالي، فإنه من المتوقع أن تنطلق التحقيقات من استدعاء مدراء المصارف مجدداً، للإستماع إلى إفاداتهم في مضمون ما يخصهم في التدقيق الجنائي، خصوصاً أنه يتوافق إلى حد بعيد مع ما كانت وصلت إليه القاضية غادة عون في تحقيقاتها التي انتهت بالإدعاء على معظمهم.

عملياً، تتوجه الأنظار مجدداً نحو المصارف، مع معلومات مؤكدة عن استعدادات لتجديد تحركات المودعين بهدف الضغط ومنع تمييع التحقيقات، وبالتالي الوصول إلى نتيجة تعيد للمودعين أموالهم، ما بقي منها.

وتوقعت مصادر في أوساط المودعين أن تستأنف التحركات في وقت قريب، كاشفة أن اتصالات تجري بين مجموعات المودعين لتنسيق الخطوات المقبلة.

وكانت مواقع الكترونية قد تداولت معلومات خلال الأيام الماضية عن تواري رئيس مجلس إدارة بنك لبنان والخليج سامر عيتاني عن الأنظار بسبب الادعاء عليه من القاضية عون ووجود بلاغ بحث وتحري بحقه صادر عنها، إلا أن محامي المصرف أكد أن بلاغ البحث والتحري سقط بمرور الزمن، كما أن عيتاني غير متواري وهو كان الأسبوع الماضي في بيروت. لكن القاضية عويدات ردّت بتأكيد ادعائها رسمياً على بنك لبنان والخليج، ورئيس مجلس إدارته سامر عيتاني ومن معه، وكل من يظهره التحقيق، لضلوعهم بالشراكة مع حاكم البنك المركزي السابق، المطلوب للعدالة الدولية رياض سلامة، بجرائم تبييض الاموال وتهريبها، والتهرب من تنفيذ القرارات القضائية والتلكؤ في الانصياع لها.

وأشارت عون إلى أن القضية انتقلت الى مرحلة اخرى وهي مرحلة ادعاء النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان امام قاضي التحقيق على بنك لبنان والخليج وبالشراكة مع رياض سلامة وسواه، معتبرة أن هذا الاجراء القضائي تجاوز الان بلاغ البحث والتحري، وأصبح البنك ومدراؤه مصنفين في توصيف المدعى عليهم قانونياً، وبالتالي لم يعد الحديث حول بلاغ البحث والتحري، انما صار في مرحلة اخرى أكثر تطوراً بالمفهوم القانوني. وتأسيساً على ذلك فان بنك لبنان والخليج ممثلاً بسامر عيتاني وشركائه باتوا اليوم مدعى عليهم بجرائم تبييض الاموال مع رياض سلامة، وهذا أدنى توصيف قانوني لهم، وبطبيعة الحال فإن المدعى عليه أمام قاضي التحقيق هو بالأعراف القانونية في وضع أصعب من شخص قُطِعَت له بلاغ بحث وتحري، بحسب عون.

ويبدو أن إعادة التذكير بالإدعاء على عيتاني يمهّد لجولة من التحقيقات تشمله من ضمن رؤساء مجالس إدارات المصارف الأخرى الذين كانوا يدورون في فلك رياض سلامة ومتهمون بأنهم استفادوا من هندساته المالية وعطاءاته الكبيرة التي منحهم إياها.

وفي هذا السياق، يؤكّد مصدر قضائي أن التحقيقات ستأخذ مجراها، وأنه لن يكون هناك أي تساهل، خصوصاً أن تقرير التدقيق الجنائي لا يمكن القفز فوق معطياته.