جان عبيد لا يزال بيننا!

/ جورج علم /

تنساب الكلمة. تسمو الفكرة. يرتفع النقاش. يشرقط الفكر، فيأتي التحليل ثريّاً، والحجة مقنعة، والإستشراف هالة ضياء من حكمة، ومعرفة، وطول باع في السياسة، والثقافة، والشعر، والأدب.

ترى أليست هذه كلّها من بقايا الزمن الجميل قبل أن يدركه النعاس؟

إنها ديوانيّة ميلان عبيد، ومجلسه العابق تنوعاً، واحتراماً، وانفتاحاً. إنها حديقته المفعمة برحيق ورد، وعبق حبق، وشذى مزركشات من كل صنف، ولون. إنها واحدة من القناطر “العبيديّة” التي إتكأ عليها جزء من تاريخ لبنان، حبّرت صفحاته ريشة ملهمة، أنيقة، مبدعة، ومترفّعة، منهلها جان عبيد بخواطره، وأدبياته، ورزانة عقله، وشفافية مسيرته، ونقاء وطنيته.

لا أدري ما إذا كان ميلان عصب نابض من بقايا ذلك الزمن الجميل، عندما كان لبنان قلم، وكتاب، وصحيفة، وريشة، ولوحة، ومعرض، ومكتبة، وندوة، ووتر، وناي، ومسرح، وشاشة، وإنفتاح على زرقتين، بحر، وسماء. ربما هذا وجده، ومذهبه، ومعتقده. أو ربما هي طينته التي جبلت من زهو تلك الفراشات التي رهّفت بأجنحتها أهداب زمن انقضى على حدائق العمر، قبل أن يدركها هذا اليباس القحط.

ملفى ديوانيته، صحافيّ، ووزير، ونائب، ومدير عام، وأديب، وشاعر، وكاتب، ومفكّر، ومثقف، وباحث، وأكاديميّ، وإقتصادي، وصاحب عقيدة، أو مهنة.

ديوانيته، حوار مفتوح حول شمخة وطن تتهاوى، ويتهاوى معها نحو مصير رماديّ، ومستقبل غامض. حوار حول إنسان متأرجح ما بين القيمة والسلعة، حول كرامات مكلومة، تقطر همّاً، وغمّاً، وذلاًّ، ويأساً، وهروباً من واقع مأساوي نحو هجرة، ربما لا عودة منها.

هذا الآتي من بيئة القبضايات، درس بيروت باكراً، حفظ خصائصها عن ظهر قلب. عرف أهلها وناسها. إحترم قيمها، وعندما شعر بدنو مواسم الحقد والغضب، حول مكتبه الإعلامي إلى شرفة مطلّة على العاصمة والوطن لتنقية الضمير، والذاكرة بدفء التلاقي، ورونق الحوار.

بعض أصدقائه الكثر يأخذون عليه الكثير:

  • كان عليه أن يحمل الراية، ويكمل المسيرة، بعد الغياب المفجع الذي حرم لبنان قامة وطنيّة، وقيمة استثنائيّة تركت بخوراً عابقا في معارج المسؤوليّة.

جان عبيد كان ضمير وطن، ووجدان شعب، ترك مآثر فوق منابر، وراح الدهر بعده مردداً. هذه حقائق يعرفها شقيقه ميلان، شريك أفكاره، وكاتم أسراره. ولأنه يعرف، كان عليه أن يحمل، ويكمل، كي لا تغيب الوزنات في سراديب المتاهات. ربما لم يفعل، من منطلق قناعات، واحتراماً لخصوصيات تحكمها أخلاقيات، وأدبيات، لكن إذا فقد الملح، فبماذا يملّح؟!

  • كان عليه أن يحافظ على الرصيد الكبير المختزن في صدور الناس، وضمائرهم . عندما يتقدم عامل محطة من شباك سيارته، ويقول له بصوت كوته الحسرة: “الله يرحمه… خسارة كبيرة”.. فهذا يعني الكثير.  عندما تنهض سيدة من مكانها في المقهى المطل على خليج جونيه، وتقترب من حيث يجلس، وتسأله بلهفة “شو بيقربك جان عبيد؟”، فهذا يعني فضولاً حرّكته مشاعر، وفضائل مقتبسة من فخامة كانت تعرف كيف تعيد المهابة لمنصب الفخامة.

لم يفته القطار، لكن الإنتظار في محطة الفراغ قد يولّد النسيان. والمفاخر إن لم تثريها مآثر، تصبح أثراً هباءً عند شفق الأثير!

  • كان عليه، وهو ما يحرص عليه، أن تبقى الديوانيّة نضرة، زاهرة، فوّاحة، وأن يبقى الانفتاح أبواباً مشرعة. وأن يبقى الحوار ثريّاً لأنه ميزة لبنان. هكذا شاءه جان عبيد. هكذا يشاءه ميلان عبيد الحريص على الأرث.. وعلى الديوانيّة.