/ لؤي نور الدين /
ثلاث سنوات وبضعة أشهر مرّت على بدء تدحرج الانهيار المالي في لبنان.
منذ اللحظة الأولى لتملّص الدولار الأميركي من عقاله، اتجهت الأنظار إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي لطالما طمأن اللبنانيين إلى “سلامة” الليرة وقوتها. حتى قبل أسابيع من الانهيار كان يتحدّث بثقة عن ثبات سعر الدولار، بينما كانت الودائع تتطاير من المصارف، سواء تهريباً أو مصادرة، فالنافذون تسرّبت إليهم كلمة سرّ لسحب ودائعهم، والباقي تلقى طعنة وصفعة وصودرت أمواله!
كل ذلك انكشف لاحقاً…
مع انطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، أدار رياض سلامة ظهره لليرة اللبنانية، فتهاوت بسرعة قياسية. رفض التدخل لحمايتها عندما كان في خزائنه أكثر من 30 مليار دولار. فضّل رياض سلامة يومها تسديد استحقاق خدمة الدين بقيمة مليار ونصف المليار دولار من دون أن يرفّ له جفن. كان ذلك في عزّ الانتفاضة، وفي بداية الانهيار المالي.
لم يكتف حاكم المركزي بذلك، وإنما ذهب إلى ما هو أبعد، عندما قدّم للمصارف، في كانون الثاني 2020، “هدية” كبيرة بمنحها “ديناً” بقيمة تفوق 6 مليار دولار، على أن تسدّده في نهاية العام 2020. ومن تلك اللحظة بدا الانهيار يتسارع، وبدأ دولار السوق السوداء يقفز بشكل دراماتيكي طيلة العام 2020، إلى أن “وفت” المصارف بتسديد دينها إلى مصرف لبنان، لكنها سدّدت المبلغ “لولار”، أي شيك بلا رصيد، أو على سعر 1500 ليرة للدولار عندما أصبح سعره في السوق السوداء أكثر 15 ألف ليرة!
جاءت قضية دعم البنزين والمازوت والغاز والمواد الغذائية والأدوية والحليب، بمثابة “هدية” كبيرة لحاكم مصرف لبنان، لأنه “علّق” عليها كل الخسائر، مع العلم أن رياض سلامة رفض مراراً استبدال ما ينفقه على الدعم بالتدخل في السوق لتخفيض سعر الدولار، وكان ذلك ليخفّف كثيراً من الأعباء على اللبنانيين، وأيضاً من كلفة الدعم. كانت تلك السياسة متعمّدة، ليعود لاحقاً ويضخ معلومات بأن سياسة الدعم كلّفت 18 مليار دولار، وأن مصرف لبنان كان لديه في احتياطاته 34 مليار دولار، لكن سياسة الدعم استنزفت أكثر من نصف الاحتياط. بينما في الواقع، كان لدى مصرف لبنان فعلياً فقط ما يزيد قليلاً عن 22 مليار دولار، وأن إنفاق الدولة اللبنانية وسياسة الدعم على مدى سنتين كاملتين لم يكلّفا سوى 8 مليارات دولار، في حين أن “تشغيل الدولة” اللبنانية سابقاً كان يكلّف سنوياً ما بين 7 و8 مليار دولار، ومن دون دعم أي سلعة!
بقي الدولار منذ منتصف العام 2019، بأمرة رياض سلامة الذي تحكّم بسعره، صعوداً وهبوطاً، تبعاً لحساباته وبما يتناسب مع استراتيجيته.
وحين فتح رئيس الحكومة السابق حسان دياب باب المحاسبة مع رياض سلامة، تبيّن أن الحاكم يحكم البلد بشبكة مصالح لا يمكن لحسان دياب الآتي من الجامعة أن يهدّد تشابكها وحلقتها الرئيسة.
وحين حاول رئيس الجمهورية ميشال عون لاحقاً ملاحقة “الحاكم”، ردّ عليه رياض سلامة في “السوق السوداء” للدولار، والذي يجمع كثيرون على أن مفتاح إدارة الغرفة السوداء لهذا السوق موجود في جيب حاكم مصرف لبنان.
صارت المواجهة بين رئيس الجمهورية وبين سلامة مفتوحة. وتبيّن أن الحاكم، الذي هزم رئيس حكومة، يستطيع أيضاً أن يهزم رئيس جمهورية!
تبيّن أن “الحاكم” أقوى من كل السلطات الدستورية، وان أحداً لن يستطيع هزيمته طالما أنه يمسك بمفاتيح المال الذي يتهافت كثيرون لحماية مصالحهم المرتبطة به.
تدحرج سعر الدولار في السوق السوداء صعوداً، وتجاوز كل الخطوط التي كان يعتقد أنها حمراء…
كانت شركات تحويل الأموال، القديمة والجديدة، التي منحها حاكم المصرف المركزي رخصة “صرافة”، تشتري الدولارات بأموال مصرف لبنان، وتسلمها يومياً إلى المصرف المركزي برعاية وإشراف مباشر من رياض سلامة.
صار كل البلد يشتغل عند رياض سلامة:
شخصيات رسمية وسياسية ورؤساء أحزاب ووزراء ونواب يتطوّعون لحمايته، حتى لا تنفتح خزائن مصرف لبنان المليئة بوثائق ارتكاباتهم المالية وديونهم وتهريب أموالهم.
الإعلام الذي حصل على دعم بعشرات ملايين الدولارات، للإضاءة على “إنجازاته”، وتهشيم صورة كل من يواجهه.
المصارف التي لرياض سلامة عليها أفضال كثيرة جداً وكبيرة، وهي اليوم تردّ له الجميل بالعمل عنده، فتشتري الليرة من المودعين وتأخذ الدولار من مصرف لبنان.
الصرافون الذين ينفّذون تعليمات الحاكم حرفياً ببيع أو شراء الدولار.
شركات تحويل الأموال التي صارت تجمع الدولارات لمصرف لبنان.
الموظفون الذين يتضرعون إلى الله قبل نهاية كل شهر كي يجدّد رياض سلامة العمل بالتعميم 161.
المواطنون الذين يتهافتون لبيع الدولار.
المغتربون الذين يحوّلون الأموال إلى أقربائهم.
السائحون الذي أنفقوا نحو 6 مليار دولار في لبنان…
أما رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي يلوم نفسه ليل نهار على التجديد لرياض سلامة قبل 4 سنوات، بقي خارج هذه “المنظومة المالية” التي أنشأها رياض سلامة وربط بينها بخيوط متينة من المصالح والحسابات. ولذلك دارت حرب مفتوحة بين القصر الجمهوري وبين البنك المركزي، وتحوّلت الليرة اللبنانية إلى ضحية لهذه الحرب.
قبل أسابيع، سمع بعض الذين التقوا رياض سلامة كلاماً صريحاً يندر أن يعتمده في أسلوب كلامه: “سترون بعد انتهاء عهد ميشال عون كيف سيتراجع الدولار.. الليرة بخير”!
لم يعتقد أحد أن الساعة الصفر لخطة رياض سلامة الجديدة ستكون يوم الأحد. بيان من أسطر قليلة كان كفيلاً بانهيار الدولار في السوق السوداء، وأن بتهافت اللبنانيين لبيع دولاراتهم، لدرجة أن الصرافين رفضوا شراء الدولار بأي سعر!
بهذا البيان، يقول رياض سلامة: “الأمر لي”!
هذا يعني أن إدارة الانهيار كانت بخطة من رياض سلامة، وأنه قادر على التحكّم بالسوق السوداء. واليوم الخطة تقضي بتحميل عهد ميشال عون مسؤولية الانهيار…
عملياً، هزم رياض سلامة رئيس الجمهورية ميشال عون، كما هزم قبله رئيس الحكومة السابق حسان دياب… فهل يرحل بعد انتهاء العهد.. أم أنه يترصّد الضحية التالية؟













