لم تبقَ نتائج الانتخابات النصفية الأميركية محصورة داخل الولايات المتحدة، بعدما تجاوزت دلالاتها حدود التنافس الحزبي لتتحول إلى رسالة دولية بشأن أداء إدارة دونالد ترامب، والسياسات التي انتهجتها خلال الفترة الماضية، من الحروب والرسوم الجمركية إلى العلاقات مع الحلفاء والخصوم. فالديمقراطيون لم يستعيدوا موقعهم في الكونغرس ومجلس الشيوخ فحسب، بل وضعوا الرئيس أمام واقع سياسي جديد، ستكون له انعكاساته على علاقات واشنطن الخارجية خلال السنتين المتبقيتين من ولايته.
ولعل أوروبا هي الطرف الذي يملك أكثر من سبب لمتابعة هذه النتائج باهتمام. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تعرضت العلاقات عبر الأطلسي لاختبارات متتالية، على خلفية الخلافات حول الإنفاق الدفاعي وحلف شمال الأطلسي، والحرب في أوكرانيا، والرسوم الجمركية، فضلاً عن تراجع الثقة الأوروبية بقدرة الولايات المتحدة على الالتزام بتعهداتها التقليدية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الانتصار الديمقراطي باعتباره فرصة لاستعادة بعض التوازن داخل المؤسسات الأميركية، وتوسيع هامش الاعتراض على سياسات البيت الأبيض، ولا سيما في ما يتعلق بالدعم العسكري لأوكرانيا والعلاقة مع روسيا.
لكن الأوروبيين يدركون أن خسارة الجمهوريين لا تعني عودة واشنطن تلقائياً إلى مرحلة جو بايدن، ولا إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ترامب. فالرئيس لا يزال يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، كما أن التحولات التي طرأت على الرأي العام الأميركي بشأن الالتزامات الخارجية وتقاسم أعباء الدفاع لن تختفي بمجرد تبدل الأغلبية البرلمانية. ولذلك، قد تتعامل العواصم الأوروبية مع النتيجة باعتبارها متنفساً سياسياً، لا ضمانة لعودة العلاقة إلى مسارها السابق.
أما كندا، التي وجدت نفسها في مواجهة ضغوط تجارية وسياسية أميركية غير مسبوقة، فتستطيع أن ترى في التحول داخل الكونغرس فرصة لإعادة طرح الخلافات المتعلقة بالرسوم الجمركية والتجارة العابرة للحدود، والاستفادة من وجود كتلة ديمقراطية أكثر استعداداً لمساءلة الإدارة عن انعكاسات سياساتها الاقتصادية. غير أن قدرة الكونغرس على تغيير النهج التجاري للرئيس تبقى محدودة، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من أدوات السياسة الجمركية يقع ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية. ومع ذلك، فإن وجود معارضة برلمانية قوية قد يرفع الكلفة السياسية لبعض القرارات الأميركية، ويمنح أوتاوا مساحة إضافية للتحرك.
وفي موسكو، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً. فمن جهة، قد تستفيد روسيا من أي انقسام أميركي يضعف قدرة واشنطن على التحرك الخارجي، أو من انشغال الإدارة بمواجهة داخلية مع الكونغرس. ومن جهة أخرى، فإن استعادة الديمقراطيين السيطرة على المجلسين قد تعيد ملف أوكرانيا إلى صدارة النقاش التشريعي، وتفتح الباب أمام مساءلة الإدارة بشأن تخفيف العقوبات على موسكو أو تقليص الدعم لكييف. لكن الرهان الروسي على أن الديمقراطيين سيعيدون تلقائياً سياسة بايدن يبدو مبالغاً فيه، إذ إن الموقف الأميركي من الحرب الأوكرانية بات يرتبط أيضاً بحسابات داخلية تتجاوز الانتماء الحزبي.
أما الصين، فقد تتعامل مع النتائج بمنطق مختلف. فبكين لا تنظر إلى تبدل الأغلبية في الكونغرس باعتباره تحولاً مضموناً في السياسة الأميركية تجاهها، إذ لا تزال المنافسة الاستراتيجية بين البلدين تحظى بتأييد واسع داخل الحزبين. لكن خسارة ترامب الغطاء البرلماني قد تعقّد قدرته على إدارة ملفات التجارة والتكنولوجيا والعلاقات مع الحلفاء الآسيويين بالطريقة الأحادية التي اعتمدها، وتزيد من الرقابة على قراراته المتعلقة بالرسوم الجمركية والتفاهمات التجارية. وفي المقابل، قد تجد الصين نفسها أمام كونغرس أكثر تشدداً في بعض الملفات، ولا سيما ما يتعلق بالتكنولوجيا والأمن القومي وتايوان. لذلك، لا يعني الانتصار الديمقراطي بالضرورة انفراجاً في العلاقات الأميركية الصينية، بقدر ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى إدارة التنافس بين القوتين.
وفي أفريقيا، تبرز التداعيات من زاوية مختلفة، تتصل أساساً بالمساعدات والتنمية والعلاقات الاقتصادية. فقد أدت قرارات إدارة ترامب بتقليص برامج المساعدات الخارجية وإغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى إثارة مخاوف واسعة لدى دول أفريقية تعتمد قطاعات منها على البرامج الصحية والغذائية والإنمائية الأميركية. وقد تمنح السيطرة الديمقراطية على الكونغرس فرصة لإعادة فتح هذه الملفات، والتحقيق في تداعيات تفكيك المؤسسات والبرامج المعنية بالمساعدات، فضلاً عن محاولة استعادة بعض التمويل. لكن إعادة بناء هذه السياسة لن تكون تلقائية، ولا سيما أن قرارات الإدارة التنفيذية لا يمكن عكسها كلها بمجرد تبدل الأغلبية البرلمانية.
أما دول الخليج، فتتابع النتائج من زاوية أكثر ارتباطاً بالأمن والاستقرار الإقليميين. فالحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تهديدات متبادلة واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، جعلت المنطقة تدفع أثماناً مباشرة لقرارات واشنطن. وقد ترى العواصم الخليجية في صعود الديمقراطيين فرصة لزيادة الضغوط السياسية والرقابية على إدارة الحرب، والحد من احتمالات توسعها، خصوصاً أن استمرار المواجهة يضع أمن المنطقة ومنشآتها الحيوية وأسواق الطاقة أمام مخاطر متجددة.
لكن الخليج لا يستطيع التعامل مع النتيجة باعتبارها ضمانة لوقف الحرب أو تبدل الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران. فالرئيس يحتفظ بسلطة القيادة العسكرية، وأي محاولة لتقييد العمليات أو وقف تمويلها ستحتاج إلى مسار تشريعي معقد، وقد تصطدم بالفيتو الرئاسي. كما أن حسابات الأمن الخليجي لا تتعلق بالحرب وحدها، بل بمستقبل العلاقة مع واشنطن، ومدى ثبات الضمانات الأمنية الأميركية، في ظل التباينات التي ظهرت خلال المرحلة الماضية.
وفي المحصلة، لا يبدو أن “الموجة الزرقاء” ستعيد تشكيل السياسة الخارجية الأميركية بصورة فورية، لكنها ستغير البيئة التي تُصنع فيها القرارات. فأوروبا قد تجد فرصة لاستعادة بعض التوازن في العلاقة مع واشنطن، وكندا هامشاً أوسع لمواجهة الضغوط التجارية، فيما ستراقب روسيا والصين كيفية استثمار الانقسام الأميركي، وتترقب أفريقيا إمكان إعادة الاعتبار لبرامج المساعدات، بينما ستبقى دول الخليج معنية مباشرة بمآلات الحرب على إيران.
ولعل المفارقة أن الأطراف الدولية التي تضررت من سياسات ترامب قد تجد في خسارة الجمهوريين فرصة لمراجعة بعض القرارات، لكنها لن تجد بالضرورة في الديمقراطيين بديلاً مطابقاً لما كانت عليه السياسة الأميركية قبل عودته. فالموجة الزرقاء غيّرت ميزان القوى في واشنطن، أما تغيير اتجاه الولايات المتحدة في العالم، فمسألة أخرى لا تحسمها صناديق الاقتراع وحدها.


