| جورج علم |
فرنسا بوابة لبنان إلى الاتحاد الأوروبي، ومنه نحو العالم الغربي، تعاني. ومعاناتها تصيب لبنان.
ما تشهده شوارعها من احتجاجات وأعمال شغب بدأ يخرج عن السيطرة، ويتحوّل إلى نزيف مدمّر، على أبواب انتخابات رئاسية مفصلية قد تضع الجمهورية الخامسة على صفيح ساخن، وأمام تحديات صعبة، ومسارات مجهولة، وشرخ وطني كبير.
الأزمة الفرنسية متشعبة. والتوغل في دهاليزها أشبه بتوغل أعمى في دهاليز نفق مظلم، ومن دون أفق.
بدأ الحراك المطلبي من القطاع التربوي. احتجاج على وضع المدرسة المزري، والنظام التعليمي المكثّف، والنقص الحاد في أفراد الهيئة التعليمية. وبعده، انتقل الطوفان البشري إلى الشارع، يافطاته عرائض طويلة من المطالب المعيشية، والاجتماعية، والخدماتية، فيما العمق مضمونه سياسي، انقلابي، تغييري.
لا يشكّك أحد بمكانة الأحزاب السياسية الفرنسية، ودورها المؤثر في الحياة الوطنية العامة. لكن تبدو فرنسا اليوم وكأنها مسرح للكرّ والفرّ، تتحكّم بمقدراته كتلتان متشدّدتان، الأولى يمينية متطرّفة، والثانية اشتراكية يسارية متطلّبة. ويبدو السباق بينهما نحو الانتخابات الرئاسية متفلّتاً من كل الضوابط، والدليل أن معظم وسائل الإعلام بدأت تحذّر من “حرب أهلية” قد تأتي على البقية الباقية من “الجمهورية الخامسة”.
والنظرة إلى ما يجري مربكة ومحزنة، وكأن “التيتانيك” تغرق مرتين. وكأن الجبل المنيع يتحوّل إلى جليد يذوب في مجرى الانهيار نحو الاندثار. لا مصطبة ورد من حوله، ولا حديقة بنفسج، ولا مساحات من الاخضرار.
لقد أصاب العطب فرنسا مرّات ثلاث: مرّة عندما تخلّت عن الديغولية، وعاد الشامخ، صاحب الأنف المروّس، إلى بلدته المتواضعة كولومبي ليه دو زيغليز. وثانية عندما تحوّلت الديمقراطية إلى ولّادة أزمات، ودين عام يتجاوز 3.595 تريليون يورو (أي ما يعادل 4 تريليونات دولار أميركي). وثالثة عندما تخلّت عن هويتها الثقافية، نحو علمنة ترجّلت من قطار القيم، وانحدرت نحو منزلقات متحرّرة من إرث التاريخ، وعظمة الجغرافيا.
دقّ البابا لاوون الرابع عشر ناقوس الخطر خلال زيارته الأخيرة. وتخلّى الفرنسيون آنياً عن ربطة العنق الحزبية المزركشة، ليتحلّقوا حول مجلسه، يستمعون إلى ما هم عليه الآن، وما يجب عليهم أن يكونوا، ليتحرّروا من عقدهم!
بعض أصحاب الرأي يقول إنه أشعل الفتيل. وبدأت طلائع التغيير. وستظهر النتائج مطلع أيار المقبل عندما تفتح صناديق الاقتراع. عندها يمكن أن يُبنى على الشيء مقتضاه!
وبدأ لبنان مشواره مع القلق المتزايد، وهو يتابع مستجدات الشارع الفرنسي. يقف حالياً مرتجفاً عند حافة الانزلاق، خوفاً من المتاهات القاتلة، والتي لا عودة منها.
“اتفاق الإطار” أصبح من دون إطار. لا حركة، ولا هدير محرّك، بل مسار مركون إلى جانب الطريق ينتظر الرافعة الأميركية، لعلّ وعسى.
يعوّل لبنان على الدور الفرنسي، والسند الفرنسي، والحراك الفرنسي، والدعم الفرنسي المادي والمعنوي. لكن المستجدات بدأت تطيح بالتمنيات. أصبحت فرنسا من المنظار الدولي، محكومة بسياسات شعبوية. لا وزن لها يحرّك بيضة القبّان في الأمم المتحدة لمصلحتها. ولا صوت مسموعاً لها في مجلس الأمن الدولي، يعيد إليها الدور الفاعل المؤثر، وهيبة الاحترام ومهابته. وبات القلق مشروعاً ومبرّراً حول الوعود التي تأخرت مواسمها، والعهود التي نُسجت بخيوط من حرير، وقد حوّلتها المستجدات إلى شرنقة أطبقت عليها.
ما يقضّ مضاجع اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين، أن يتحوّل لبنان إلى رهينة أميركية ـ إسرائيلية ـ إيرانية، يفقد استقلاله، ويفقد جنوبه، ويفقد دولته، ونظامه، ويتحوّل إلى شتات أقليات.
كانت فرنسا في ما مضى وصيّة، ومستعمرة. لكن الاستقلال حصل من دون قطرة دم. وعندما خرجت، تركت وراءها مدرسة، وجامعة، ومستشفى، ومؤسسة، وصحيفة، ومصباحاً كهربائياً، وشارعاً نظيفاً. ولم تتركه خرباً، ودماراً، وأكواماً من النفايات.
خوف لبنان واللبنانيين أن يحوّل الوصي الأميركي “لبنان اللبناني” إلى “لبنان إسرائيلي”! قلقهم أن يُضحّى بهذا اللبنان الذي نعرفه، لمصلحة لبنان آخر لا نعرفه، لإبرام “صفقة” ثلاثية أميركية، إسرائيلية، إيرانية، لا بدّ أنها آتية لا محالة.
حاجة لبنان إلى “فرنسا قوية” ضرورة وجودية لسدّ الفراغ الأمني في الجنوب، في وقت بدت فيه قوات “اليونيفيل” متأهبة عند الشاطئ إيذاناً بالرحيل.
من يملك اليوم من المسؤولين جواباً قاطعاً بأن قوات فرنسية ـ أوروبية أصبحت جاهزة حكماً للانتشار، والحلول مكان “اليونيفيل”، لمنع “إسرائيل” من ملء الفراغ، وفرض المزيد من الهيمنة على مقدرات الجنوب؟
من يملك معلومات مدقّقة تغيّر الانطباع السائد عن مخطط جاهز قيد التنفيذ لإرباك الدول الصديقة والشقيقة الغيورة على لبنان، ومنعها من القيام بأي دور فاعل لمؤازرته، ومساندته، وتمكينه من البقاء والاستمرار، وهو الذي يرى كيف أن الإعصار المدمّر يتنقّل من الساحات الفرنسية ـ الأوروبية إلى الساحات الخليجية، ويمعن فيها خراباً ودماراً تحت عدسات المنظار الأميركي ـ الإسرائيلي.
إن الخطر المصيري يقرع الباب اللبناني بقوة. الصيغة تشلّعت. ثوبها ممزق، وتخترقه فجوات واسعة. النظام، مجرّد هيكل عظمي جرّده الفساد من عضلات القوة والمناعة. الطوائف تتلهّى بالاستيلاء على ما تبقى من بقايا “جثة” الوطن. الجيش يحتاج إلى موارد الدعم. وهذه بدورها تحتاج إلى “فرنسا قوية” تفعّل توصيات المؤتمرات الدولية التي رعتها، لوضع القرارات المرصوفة على الورق موضع الفعل.
وبقي الوصي الأميركي يوصي، لكن ولغاية الآن، وفق ما يتطابق والمطامع الإسرائيلية، لا وفق ما يتطابق والمصلحة اللبنانية.
أما “البديل” الذي يمكن اللجوء إليه – إذا ما استمر الوصي في وصايته الطافحة بالمخاوف، والمزنّرة بعلامات الاستفهام – فهو قيد الاستهداف في ظلّ الإعصار الذي يضربه لشلّ طاقاته، وهدر إمكاناته.
وذروة القلق أن ينتقل الإعصار من شوارع فرنسا، ليتلاعب بما تبقى من أوراق تشرينية في الشجرة اللبنانية، ويبدّدها وفق مقتضيات مصالحه!


