لم تصدر أي إشارة توحي أن اليوم الأول من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية في تامبا بولاية فلوريدا الأميركية، والتي استمرت نحو ست ساعات من الاجتماعات التي اقتصرت على الشق العسكري والأمني، بتحقيق اختراق جدي في مسار تنفيذ اتفاق الإطار الموقع في 26 حزيران الماضي.
وتُستكمل بعد ظهر اليوم الأربعاء بتوقيت بيروت، الجلسة الثانية من هذه المفاوضات، والتي يتوقع أن تنتهي ببيان يصدر عن الخارجية الأميركية حول نتائجها.
وبحسب المعلومات المتداولة عن الاجتماع، تناول البحث ما تحقق ميدانياً منذ توقيع الاتفاق، في ظل استمرار الخلافات حول المطالب اللبنانية، ولا سيما وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية بصورة كاملة، وآلية التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، وتوسيع نطاق المناطق التجريبية التي يتولى فيها الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية بعد الانسحاب الإسرائيلي.
وتنعقد هذه الجولة بعد انقطاع استمر منذ مطلع آب الماضي، حين عُقدت الجولة السابعة، والثانية على مستوى روما، على مدى ثلاثة أيام. وكان مقرراً عقد جولة ثامنة في العاصمة الإيطالية خلال أيلول، لكنها لم تنعقد، واستُعيض عنها بلقاء جمع سفيري لبنان و”إسرائيل” في واشنطن، تمهيداً لاستئناف المفاوضات.
خلاف على آلية التحقق والتنسيق
يبقى تحديد الجهة التي ستراقب تنفيذ الترتيبات الأمنية من أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين. فـ”إسرائيل” تدفع باتجاه إنشاء غرفة مشتركة أو اعتماد وسيلة اتصال مباشرة مع الجيش اللبناني، لمتابعة الإجراءات الأمنية والتحقق من خلو مناطق محددة من الأسلحة والمنشآت العسكرية التابعة لـ”حزب الله”. في المقابل، يرفض لبنان التنسيق المباشر بين الجيش اللبناني وجيش الاحتلال الإسرائيلي، ويفضّل إسناد مهمة التحقق إلى جهة أممية أو دولية.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن واشنطن تسعى إلى التوصل إلى صيغة تحدد آلية المراقبة والمسؤوليات، بالتوازي مع وضع جدول زمني تدريجي تترافق فيه الخطوات اللبنانية مع إجراءات إسرائيلية مقابلة، بما يشمل الانسحاب من مناطق يجري الاتفاق عليها. وفي هذا السياق، يُطرح توسيع نطاق المناطق التجريبية التي يتولى فيها الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية، على غرار المنطقة الأولى التي تشمل زوطر الغربية وفرون وصريفا، على أن يشكل التقدم فيها أساساً للانتقال إلى ترتيبات إضافية.
ويتمسك الوفد اللبناني بضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرقل انتشار الجيش على كامل الأراضي الجنوبية حتى الحدود الدولية المعترف بها، وتحدّ من قدرته على تنفيذ مهماته داخل المنطقة التجريبية الأولى. كما يطرح مسألة آلية التحقق من الانتهاكات وتأثيرها على التفاهمات القائمة، ويرفض التضييق الإسرائيلي على المزارعين في القرى الحدودية، بما يحول دون وصولهم إلى أراضيهم وقطف محاصيلهم، ويعرّض حياتهم للخطر.
حملة إسرائيلية تستهدف الجيش اللبناني
تزامنت المحادثات مع تصعيد إسرائيلي استهدف المؤسسة العسكرية اللبنانية، إذ اتهم جيش الاحتلال الإسرائيلي الجيش اللبناني بالتقصير في تنفيذ الترتيبات الأمنية، وادعى وجود تنسيق بين جهات داخل المؤسسة العسكرية و”حزب الله”، بما يتيح للحزب نقل أسلحته أو تأخير الإجراءات الرامية إلى ضبطها.
وسبق بدء الجلسة الأولى أن أعلن جيش الاحتلال استهداف شاحنة قال إنها نقلت أسلحة ومعدات من منشأة لتخزين الأسلحة في بلدة كفرا، مدعياً أن “حزب الله” لا يزال يستخدم المنشأة، رغم الإجراءات التي أعلن الجيش اللبناني اتخاذها بشأنها، بناءً على طلب سابق عبر الآلية الأميركية. ثم وسّع الاحتلال حملته باتهام الجيش اللبناني بعدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع وجود الأسلحة والبنى العسكرية التابعة للحزب في الجنوب.
وفي رد مفصل، دحضت قيادة الجيش اللبناني الادعاءات الإسرائيلية، مؤكدة أن الوقائع والإجراءات المعنية موثقة لدى لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، بما يتيح التحقق من حقيقة ما قام به الجيش. واعتبرت أن تكرار حملات التضليل ونشر الأكاذيب من جانب الاحتلال يندرج في سياق محاولات النيل من مصداقية المؤسسة العسكرية محلياً ودولياً، بالتزامن مع المفاوضات الجارية.
ويكتسب هذا التصعيد دلالة إضافية لكونه جاء عشية المحادثات، وفي وقت تتواصل فيه الضغوط السياسية والإعلامية على قيادة الجيش، مع محاولات لتكريس رواية تتهم المؤسسة العسكرية بعدم تنفيذ مهماتها في ما يتعلق بسلاح “حزب الله”، ليس في الجنوب فحسب، بل في مناطق لبنانية أخرى أيضاً.
ورغم غياب المؤشرات إلى إمكان تحقيق تقدم ملموس، اختارت السلطة اللبنانية إبقاء المسار التفاوضي قائماً، عبر وفد عسكري تقلص من ستة ضباط إلى ثلاثة، في محاولة لمواصلة البحث في الترتيبات الأمنية، من دون أن يعني ذلك قبولاً بالمطالب الإسرائيلية أو بالتنسيق المباشر الذي تسعى تل أبيب إلى فرضه.
التهديدات الإسرائيلية تتجاوز طاولة التفاوض
وبالتوازي مع المحادثات، صعّد المسؤولون الإسرائيليون تهديداتهم للبنان و”حزب الله” وإيران. فقد حذّر رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن أي هجوم على “إسرائيل” سيُقابل بضربة وصفها بأنها “غير مسبوقة”، فيما أعلن وزير الحرب يسرائيل كاتس استعداد جيش الاحتلال لتنفيذ عمليات عسكرية باتجاه مناطق إضافية في النبطية ومحيط نهر الليطاني.
كما ربط كاتس انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان بنزع سلاح “حزب الله” في مختلف أنحاء البلاد، مهدداً الحزب بضربة قاسية إذا انضم إلى أي هجوم إيراني على “إسرائيل”، ومتوعداً باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت رداً على أي إطلاق نار أو إرسال مسيّرات باتجاه الأراضي المحتلة.
ويكشف التزامن بين هذه التهديدات والمفاوضات عن اتساع الفجوة بين المسار الذي تحاول واشنطن إبقاءه مفتوحاً، والوقائع التي تسعى “إسرائيل” إلى فرضها ميدانياً. ففي حين يفترض أن تتيح المحادثات البحث في خطوات متبادلة لتنفيذ اتفاق الإطار، تواصل تل أبيب الضغط العسكري والسياسي، وتربط الانسحاب بشروط تتجاوز الترتيبات الأمنية المطروحة على طاولة التفاوض.
وعليه، لا يتوقف التحدي أمام الجولة الحالية عند تحديد آلية التحقق أو توسيع المناطق التجريبية، بل يمتد إلى مدى استعداد “إسرائيل” للالتزام بإجراءات مقابلة، وفي مقدمها وقف الاعتداءات والانسحاب من المناطق التي تحتلها. أما من دون ذلك، فيبقى المسار التفاوضي معرضاً للتحول إلى أداة لإدارة الضغوط الميدانية، بدلاً من أن يشكل مدخلاً فعلياً لتثبيت التفاهمات وضمان أمن الجنوب.


