الرئيسيةSliderالحرب آتية.. والخلاف على التوقيت؟

الحرب آتية.. والخلاف على التوقيت؟

فرضت التحذيرات المتكررة التي حملها موفدون عرب وغربيون إلى لبنان، والداعية إلى تحييده عن أي مواجهة مقبلة مع إيران، مزيداً من القلق حيال الأجواء الحربية التي تخيّم على المنطقة. فالمخاوف لا تقتصر على احتمال تجدد الحرب، بل تشمل أيضاً اتساع نطاقها، وامتداد نيرانها إلى جبهات أخرى، بما يجعل لبنان أمام احتمالات شديدة الخطورة، سواء قرر الانخراط في المواجهة أم وجد نفسه في قلبها بفعل التطورات الميدانية.

وكان لافتاً تتابع الزيارات والاتصالات الخارجية بلبنان خلال فترة زمنية قصيرة، بدءاً من زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مروراً بزيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو والوزيرة المنتدبة لدى وزير القوات المسلحة أليس روفو، وصولاً إلى زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، بالتوازي مع اتصالات أميركية وتحركات لتحديد موعد لجولة جديدة من المفاوضات العسكرية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.

ولا يمكن فصل هذا الحراك عن مساعي احتواء التصعيد في المنطقة، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات عن طبيعة الرسائل التي يحملها إلى لبنان، ولا سيما في ظل تزايد الحديث عن احتمال استئناف العمليات العسكرية ضد إيران. فهل يقتصر الهدف على منع لبنان من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية، أم أن هذه التحركات تعكس أيضاً تقديرات خارجية بأن احتمالات الحرب باتت جدية، وأن المطلوب تحصين الجبهة اللبنانية، أو على الأقل الحد من تداعياتها إذا اندلعت المواجهة؟

في هذا السياق، تبدو النصائح العربية والغربية أقرب إلى تحذيرات سياسية وأمنية من مغبة دخول لبنان الحرب مجدداً، خصوصاً في ظل الرسائل الإسرائيلية التي تفيد بأن أي انخراط جديد لـ”حزب الله” في مواجهة مع “إسرائيل” قد يقابَل برد أوسع من السابق، ومن دون التقيد بالضوابط التي حكمت مراحل سابقة من المواجهة. وهي رسائل تثير مخاوف من أن تكون “إسرائيل” بصدد التمهيد لتوسيع بنك أهدافها، وتغيير قواعد الاشتباك، وربما فرض وقائع ميدانية جديدة في لبنان.

لكن السؤال الأساسي لا يتعلق بما إذا كان لبنان يريد الحرب أو يسعى إلى تجنبها فحسب، بل بمدى قدرته على منع انتقال المواجهة إليه إذا اتخذت واشنطن وتل أبيب قراراً بتجديد الحرب على إيران، أو إذا اتسعت المواجهة بفعل تطور ميداني يصعب احتواؤه. فالدعوات إلى تحييد لبنان تفترض ضمناً أن ثمة أطرافاً تملك قرار التصعيد أو التهدئة، فيما تبقى قدرة الدولة اللبنانية على التحكم بمسار الأحداث محدودة ما دامت الجبهة الإقليمية مفتوحة على احتمالات متعددة.

وتزداد هذه المخاوف في ضوء التباين بين التصريحات السياسية والاستعدادات العسكرية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في 8 تشرين الأول أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 تشرين الثاني، فيما قال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 14 تشرين الأول، إنه لا يؤيد توجيه ضربة استباقية إلى إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول. غير أن هذه التصريحات لم تُنهِ الجدل بشأن احتمال تجدد الحرب، في ظل تقارير عن بحث خيارات عسكرية واستمرار الاستعدادات تحسباً لأي قرار جديد.

وفي كيان الاحتلال الإسرائيلي، لا تنفصل هذه الحسابات عن الاستحقاق الانتخابي. فقد حذّر زعيم المعارضة يائير لابيد من احتمال أن يقدم نتنياهو على شن هجوم على إيران بما قد يؤدي إلى تعطيل الانتخابات أو تأجيلها، معتبراً أن لا مبرر استخبارياً يمنع إجراءها في موعدها. ويكشف هذا السجال عن حساسية العلاقة بين القرار العسكري والحسابات السياسية الداخلية، وعن المخاوف من استخدام التطورات الأمنية للتأثير في المزاج الانتخابي أو إعادة ترتيب الأولويات السياسية.

أما في الولايات المتحدة، فإن انتخابات التجديد النصفي تفرض بدورها حسابات مختلفة، في ظل الضغوط الاقتصادية التي تفرضها الحرب، ولا سيما انعكاساتها على أسعار الطاقة، فضلاً عن الكلفة العسكرية والسياسية لأي تصعيد جديد. لكن هذه الاعتبارات لا تشكّل ضمانة قاطعة لمنع الحرب، إذ قد تتغير الحسابات إذا اعتبرت واشنطن أو تل أبيب أن تطوراً أمنياً ما يستدعي التحرك، أو إذا رأت أي منهما أن تأجيل المواجهة سيجعل شروطها أصعب في المستقبل.

هل يعني ذلك أن الحرب واقعة حتماً؟

لا توجد، حتى الآن، مؤشرات حاسمة تسمح بالجزم أن قرار الحرب قد اتُّخذ، كما لا يمكن التعامل مع التصريحات السياسية بوصفها ضمانات نهائية بعدم حصولها. لكن الحراك العربي والدولي باتجاه لبنان، مقروناً بالتصريحات المتشددة والاستعدادات العسكرية والتجاذبات الانتخابية، يجعل احتمال تجدد المواجهة عاملاً أساسياً في قراءة المرحلة المقبلة، لا مجرد سيناريو بعيد.

وتبقى الاحتمالات مفتوحة بين احتواء التصعيد وتأجيل المواجهة، وبين اندلاعها نتيجة قرار سياسي أو تطور ميداني يخرج عن السيطرة. وقد يكون التوقيت عاملاً حاسماً في الحسابات الأميركية والإسرائيلية، لكنه ليس العامل الوحيد، فطبيعة الأهداف العسكرية، والموقف الإيراني، وحسابات الردع، وإمكانات التوصل إلى تفاهمات، كلها عناصر قد تدفع نحو الحرب أو تؤخرها.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في المشهد الراهن هو أن لبنان قد يجد نفسه معنياً بنتائج قرار لا يملك وحده القدرة على التأثير فيه. فبين التحذيرات من الانخراط في الحرب، والرسائل الإسرائيلية عن رد أوسع، والمساعي الدبلوماسية لتثبيت ترتيبات أمنية جديدة، يبدو البلد أمام مرحلة دقيقة تتطلب أقصى درجات الحذر والاستعداد السياسي والدبلوماسي.

إذن، الحرب ليست حتمية قبل الانتخابات في كيان الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية، لكن احتمالها قد يكون مرتفعاً بعد هذه الانتخابات. وإذا كانت الانتخابات الإسرائيلية والأميركية تفرض إيقاعاً خاصاً على الحسابات السياسية، فإن السؤال يبقى: هل تؤجل هذه الاستحقاقات المواجهة، أم أن أحد الأطراف قد يرى في التصعيد قبلها فرصة لتحقيق مكاسب لا يضمنها بعدها؟ عندها، لن يكون الخلاف على الحرب وحدها، بل على توقيتها وكلفتها والوقائع التي يُراد فرضها من خلالها.

شريط الأحداث