“نفق في الفنار”.. خبرٌ لم يحتج إلى أكثر من دقائق ليتحوّل إلى مادة للتداول والتهويل، قبل أن تتوافر المعطيات الكاملة بشأنه.
وعلى قاعدة الاتهام الجاهز، وُجّهت أصابع الاتهام سريعاً نحو “حزب الله”، وكأن مجرد العثور على حفرة في منطقة لبنانية يكفي لتحديد الجهة المسؤولة، من دون انتظار التحقيق أو التحقق من الوقائع.
ولعلّ أول المنزلقين في هذه الحفرة السياسية كان النائب سامي الجميل، الذي سارع إلى مطالبة وزير الدفاع بإجراء مسح شامل في منطقة رويسات العلم في المتن الشمالي، المعروفة بغالبية سكانها الشيعة، قبل اتضاح حقيقة ما جرى في الفنار.
وهكذا، لم ينتظر الاتهام نتائج التحقيق، بل تمدّد سريعاً من حفرة في منطقة إلى المطالبة بإجراءات أمنية تشمل منطقة أخرى، بما يطرح تساؤلات حول خلفيات هذا الاستعجال، ومدى مساهمته في تأجيج المخاوف وتوسيع دائرة الشكوك بين اللبنانيين. فالخطورة لا تكمن في المطالبة بالتحقق والتحقيق بحد ذاتها، بل في أن تتحوّل فرضية غير مثبتة إلى منطلق لتعميم الاشتباه وربط مناطق بأكملها باتهامات لم تثبت صحتها بعد.
لكن ما كشفته المعاينة الميدانية للجيش اللبناني وضع الرواية المتداولة أمام اختبار الحقيقة، وأعاد القضية إلى حجمها الفعلي، بعيداً عن الاستنتاجات المسبقة والاستثمار السياسي الذي يبدو جاهزاً لتحويل أي حادثة إلى فرصة جديدة لاتهام “حزب الله”.
وبحسب بيان الجيش اللبناني، فإن النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار – المتن الشمالي، يبلغ طوله الإجمالي نحو 13 متراً، منها خمسة أمتار عمودياً وثمانية أمتار أفقياً، وقد تبيّن أنه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري. كما ضُبطت داخله عدة حفر فردية، وأُوقف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حفره.
أما المعلومات المتداولة بشأن خلفية الحفر، فتشير إلى أن الأمر يرتبط بالبحث عن ذهب مدفون في المنطقة، لا بأي استخدام عسكري، وهي رواية تتقاطع مع إفادات من سكان محليين تحدثوا عن أشخاص كانوا يرتادون المكان في السابق، بينهم متعاطون للمخدرات، أوقفهم لاحقاً عناصر من القوى الأمنية. وتبقى هذه المعطيات في عهدة التحقيق، بعيداً عن الأحكام التي سبقت ظهور النتائج.
في هذه القضية، لا تقتصر المسألة على نفق اكتُشف في الفنار، بل تتصل أيضاً بالطريقة التي تتحوّل فيها أخبار غير مكتملة إلى مادة لإثارة الذعر والقلق بين المواطنين، وفتح باب جديد للخلافات والانقسامات بينهم. فقبل أن تتضح طبيعة الحفرة أو الغاية من حفرها، كانت الاتهامات قد انتشرت، وبدأت الروايات تُبنى على فرضية واحدة، فيما غابت الأسئلة البديهية التي يفترض أن تسبق أي استنتاج.
تحرّك الجيش اللبناني سريعاً، وأخضع الموقع للمعاينة والتحقيق، لقطع الطريق على الشائعات والتأويلات التي قد تتجاوز آثارها حدود الخبر نفسه. فالتحقق الميداني هو ما يفصل بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي قد تتحول، بفعل التداول، إلى قناعة لدى الرأي العام من دون أي دليل.
وفي بلد يعاني أصلاً من انقسامات سياسية وطائفية حادة، فإن إطلاق الاتهامات بهذه السرعة لا يبدّد المخاوف، بل يضاعفها، ولا يحمي السلم الأهلي، بل يعرّضه لمزيد من التوتر.
وفي خطوة تهدف إلى إتاحة المجال أمام التحقق المباشر، سمح الجيش للصحافيين بالدخول إلى النفق ومعاينته بأنفسهم، للاطلاع على طبيعته وتفاصيله، بدلاً من الاكتفاء بما يُنشر عنه أو يُبنى حوله من روايات. أما رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة، فأكد أنه سيُعمل على إقفال النفق.


