الرئيسيةSliderهل تنقذ "استعادة الدروس" التعلّم الرسمي؟

هل تنقذ “استعادة الدروس” التعلّم الرسمي؟

لم تعد قضية المناهج المدرسية في لبنان محصورة في حجم المواد التي يتعيّن على التلامذة إنجازها خلال العام الدراسي، بل باتت ترتبط بسؤال أعمق عن جدوى استعادة الدروس التي استُبعدت في السنوات الماضية، في وقت لم تُعالج فيه بصورة كافية الخسائر التعليمية التي راكمتها الأزمات المتلاحقة.

فإعادة الدروس إلى المقرّرات لا تعني بالضرورة استعادة المعارف التي يفترض أن يكتسبها التلامذة، ما لم تترافق مع تقييم لما تعلموه فعلياً، وتحديد الثغرات التي تحول دون انتقالهم من مرحلة دراسية إلى أخرى بقاعدة معرفية متماسكة.

تعود جذور القضية إلى عام 2016، حين أصدرت وزارة التربية تعميماً قضى بتعليق تدريس بعض مضامين المناهج ومحاورها. وفي عام 2018، أُدخلت تعديلات إضافية على هذا المسار، شملت مواد عدة، بينها الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة والتاريخ والجغرافيا والفلسفة واللغة الإنكليزية. وكان يفترض أن تبقى هذه الإجراءات مؤقتة، في انتظار تطوير المناهج وإعداد صيغ أكثر ملاءمة للحاجات التعليمية.

لكن الانتقال إلى مناهج مطوّرة لم ينهِ المشكلة، واستمر العمل بالتعديلات المرحلية سنوات طويلة. وقد أقرّ المركز التربوي للبحوث والإنماء، في توضيح نشره عام 2018، بأن تجربة التقليص السابقة أظهرت الحاجة إلى مراجعة جديدة للمضامين التعليمية، في انتظار إنجاز التطوير الشامل للمناهج.

وخلال هذه السنوات، لم تكن الظروف التعليمية ثابتة. فقد فرضت الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا، ثم الإضرابات والتعطيل المتكرر للدروس، وصولاً إلى الحرب وما رافقها من اضطرابات أمنية ونزوح، أعباء إضافية على المدارس والأساتذة والتلامذة. وهكذا، لم يعد التحدي مقتصراً على ما حُذف من المناهج، بل امتد إلى ما لم يتسنَّ للتلامذة تعلّمه بصورة سليمة، حتى من المواد التي بقيت مدرجة في المقرّرات.

في العام الدراسي الحالي، يتسع نطاق إعادة الدروس المستثناة سابقاً، بعد أن اقتصر ما أُعيد منها في العام الماضي على عدد محدود بسبب الحرب. غير أن هذا التوسع يثير اعتراضات تربوية تتجاوز مسألة زيادة حجم المقرّرات، لتطال مدى ملاءمة القرار للواقع الذي تعيشه المدارس.

فإنجاز درس جديد قد يتطلب أولاً استعادة مفاهيم أساسية من صفوف سابقة، ولا سيما في المواد العلمية التي تقوم على تراكم المعرفة. وإذا لم يكن التلميذ قد أتقن تلك المفاهيم، فإن إضافة وحدات جديدة إلى البرنامج لا تضمن اكتسابها، بل قد تدفع الأستاذ إلى تسريع الشرح لإنهاء المادة، فيما يبقى الفهم الفعلي دون المستوى المطلوب.

من هنا، فإن اعتراض رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي على إعادة الدروس دفعة واحدة يطرح مسألة تستحق المعالجة: هل ينبغي إخضاع جميع التلامذة لمتطلبات موحدة، بصرف النظر عن الفروق في مستوى التحصيل والوقت التعليمي الذي أتيح لهم خلال السنوات الماضية؟ أم أن العودة إلى الدروس تستلزم خطة تدريجية تتيح معالجة النقص قبل الانتقال إلى مضامين أكثر تقدماً؟

وتزداد هذه الأسئلة إلحاحاً في التعليم الرسمي، حيث لم تستكمل بعض المدارس انطلاقتها بصورة طبيعية، في ظل عدم التحاق جميع الأساتذة المستعان بهم والمتعاقدين بعملهم على نحو كامل. كما أن تخصيص الأسابيع الثمانية الأولى من العام الدراسي لخطة التعافي التعليمي، بهدف معالجة الفجوات، يطرح تحدياً إضافياً في تنظيم الوقت بين الدروس العلاجية والمقرّرات الأساسية.

وفي مناطق الجنوب، تفرض الأوضاع الأمنية قيوداً أخرى على انتظام التعليم، مع اضطرار بعض المدارس إلى تقليص ساعات التدريس. وهذا يعني أن الوقت المخصص نظرياً لإنجاز المقرّرات لا يتطابق بالضرورة مع الوقت المتاح فعلياً داخل الصفوف.

أما نتائج الاختبارات الدولية، ومنها اختبارات PISA، التي أظهرت ضعفاً في مستويات التحصيل لدى التلامذة اللبنانيين، فلا يمكن التعامل معها بوصفها مبرراً كافياً لإعادة جميع الدروس المستثناة. فهي تشير إلى وجود مشكلة في المخرجات التعليمية، لكنها لا تحدد وحدها أي المعارف ينبغي استعادتها أولاً، ولا الكيفية التي يجب اعتمادها لمعالجة مواطن الضعف.

وتبقى نتائج الاختبارات التشخيصية التي أجرتها وزارة التربية، ومدى توظيفها في تحديد حاجات التلامذة، جزءاً أساسياً من النقاش. فالتقييم لا يحقق غايته إذا لم يتحول إلى قرارات تعليمية تراعي مستوى المتعلمين، وتمنح المدارس المرونة اللازمة لمعالجة الفجوات.

وفي هذا السياق، تكتسب التحفظات التي أبدتها لجان المواد في المركز التربوي أهمية خاصة، لأنها تعيد النقاش إلى جوهره: ليست المسألة في استعادة الدروس التي غابت عن المقرّرات فحسب، بل في تحديد ما يحتاج التلامذة إلى تعلمه، وكيفية ضمان اكتسابهم له.

إن إصلاح المناهج لا يتحقق بإضافة صفحات إلى الكتب أو توسيع البرنامج السنوي، بل بإعادة بناء مسار تعليمي متدرج ومترابط. وقد يكون من الضروري استعادة الدروس التي أُسقطت في ظروف استثنائية، لكن ذلك يحتاج إلى ترتيب الأولويات، وتحديد المكتسبات الأساسية، ووضع جدول زمني واقعي للتنفيذ.

فالمدرسة ليست مطالبة بإنهاء المقرّرات على الورق، بل بضمان أن يخرج التلميذ منها وهو يمتلك المعرفة والمهارات التي تؤهله للانتقال إلى الصف التالي. وبين هذين الهدفين، يتحدد الفرق بين استعادة المناهج واستعادة التعلّم.

شريط الأحداث