قد لا تختزل قضية شاحنة المتفجرات التي صادرتها القوى الأمنية في ضهر البيدر، كامل المشهد اللبناني، لكنها تقدّم صورة قريبة للمرحلة الخطيرة التي يمرّ بها لبنان.
كان يمكن لقضية الشاحنة أن تمرّ في سياقها القانوني، لأن الجهة التي تملكها أعلنت صراحة أنها عائدة إليها، وحدّدت أهدافها. وبالتالي، فإن السلطة السياسية كانت أمام خيارين:
إما التعامل مع قضية هذه الشاحنة باعتبارها تابعة للمقاومة، وبالتالي التفاهم مع “حزب الله” بشأنها بهدوء وبعيداً عن الضجيج، كما كان يحصل دائماً منذ ربع قرن أو يزيد.
وإما تطبيق قرار الحكومة باعتبار هذه الشاحنة وحمولتها مخالفة لقرار حصرية السلاح، وبالتالي مصادرتها، وتوقيف الأشخاص على متنها، على غرار ما حصل مع عدد من الأشخاص الذين تم توقيفهم على بعض حواجز الجيش اللبناني في الجنوب وبحوزتهم أسلحة، حيث تم توقيفهم ومصادرة أسلحتهم.
لكن ما حصل يوحي أنه في سياق مبرمج، وفي إطار خطة لاستخدام الشاحنة في مشروع “تخوين” المقاومة، وضرب مشروعية “حزب الله” والتشكيك بأهدافه، وصولاً إلى النقطة التي انكشف أمس: ملاحقة المقاومة بالتزامن مع إلغاء قانون تجريم التعامل مع “إسرائيل”، بمعنى إلغاء حالة العدء مع العدو الإسرائيلي الذي يحتل ويدمّر الجنوب!
عند هذه النقطة، وبينما كادت السلطة السياسية أن تنزلق إلى “قشرة موز” إحالة ملف الشاحنة إلى المجلس العدلي، كان الأميركيون على مختلف المستويات، يهاجمون القضاء اللبناني، ويحدّدون معايير عمله، ويُصدرون عنه الأحكام بتبرئة السفيرة اللبنانية في واشنطن من تهمة خرق قانون تجريم التعامل مع “إسرائيل” بسبب اتصالها بالسفير الإسرائيلي في واشنطن لـ”تتضامن” معه ضد عملية الدهس التي تعّرض لها من مقاومين فلسطينيين. وفي المقابل، يركزون هجمتهم على “حزب الله” وكل عمل مقاوم ضد “إسرائيل”، وكذلك رفضاً لأي مساعدة يتلقاها الذين هجّرتهم “إسرائيل” من أراضيهم وبيتهم وأحرقتها ودمّرتها.
عند هذه النقطة أيضاً، يكون لبنان أمام منعطف خطير. قد لا تكون الأسابيع الفاصلة عن الانتخابات الإسرائيلية والأميركية مجرّد مرحلة “رمادية”، وإنما تؤشّر التطورات إلى أنها ستكون ساخنة، على الرغم من محاولات التبريد في قاعة الانتظار لمآل تلك الانتخابات وتداعياتها.
كذلك، قد لا تصبح حالة الانتظار مفتوحة، بحجة عدم إعطاء أي فرصة لليمين الإسرائيلي المتطرّف لاستخدامها في تحسين ظروفه الانتخابية الصعبة.
وهنا، كان يجب على السلطة السياسية أن تذهب إلى النهاية في الخضوع للشروط والمطالب الأميركية ـ الإسرائيلية، وتتحوّل بالتالي إلى “ناخب” في صناديق كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب وحزبه الجمهوري.
وعند هذا المفترق، قد يشكّل الانزلاق إلى الاستسلام الكلّي للإرادة الأميركية ـ الإسرائيلية، والانضمام إلى مشروعهما، خطراً كبيراً على لبنان، وحينها قد لا يصبح الانتظار خياراً عقلانياً. ما يعني أن “الهدنة” الداخلية قد تنتهي بقرار، في “التوقيت الحرج” أميركياً، بما يؤدي الإطاحة بكل المسار الأميركي في لبنان.


