| جورج علم |
فتحت “صفقة الديزل” الروسية الباب أمام “صفقات كبرى” لمعالجة الأزمات المعقدة حول العالم.
ليس بسيطاً أن يحرّك الديزل الروسي المحركات الأميركية الداخلية والخارجية، وبصورة مفاجئة، بعد سلاسل طويلة من العقوبات والحصار المالي والاقتصادي على روسيا بسبب تورطها في الحرب ضد أوكرانيا.
وتشكّل “الصفقة” تحوّلاً صادماً في السياسة الخارجية الأميركية تجاه موسكو. وتقضي بتعليق العقوبات على صادرات النفط الروسي، وإصدار وزارة الخزانة الأميركية، مؤقتاً، الرخصة العامة رقم 135، التي تسمح بتدفق 4.8 ملايين طن متري من الديزل فوراً، وحتى 7 نيسان من العام 2027، إلى الأسواق الأميركية لكبح أسعار الطاقة المرتفعة.
وبرّرت إدارة الرئيس دونالد ترامب انفتاحها على موسكو بسلسلة من الحجج والخلفيات، بينها أزمة الطاقة العالمية بسبب حرب الخليج، وارتفاع أسعار الديزل داخل الولايات المتحدة لتتجاوز 6.19 دولارات للغالون الواحد، واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، حيث يواجه ترامب ضغوطاً سياسية واقتصادية داخلية هائلة لخفض التضخم وتخفيف الأعباء المالية عن كاهل المستهلك الأميركي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات. وكذلك الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لوقف استهداف المصافي الروسية، بحجة أن هذه الهجمات أسهمت بصورة مباشرة في تقليص المعروض العالمي ورفع الأسعار.
بالطبع، هناك أسباب وأهداف وأبعاد أخرى تقف وراء هذه “الصفقة” وتبرّرها.
إلا أن ما جرى بين موسكو وواشنطن وصفته “نيويورك تايمز” بأنه “زلزال سياسي ـ اقتصادي مدوٍّ، وستكون له تداعيات لا يُستهان بها على الصعيد الدولي”.
بداية هذا “الزلزال” ظهرت مؤشراته في الداخل، حيث وضعت “الصفقة” الرئيس ترامب في مواجهة مباشرة مع المشرّعين، كونها تنتهك صراحة تشريعاً صارماً فرضه الكونغرس بأغلبية ساحقة، هو “قانون ليندسي غراهام”، لمعاقبة روسيا وإيران لعام 2026، والذي يحظر استيراد الطاقة الروسية.
وقادت مجموعة من 12 سيناتوراً، ستة جمهوريين وستة ديمقراطيين، حراكاً يطالب ترامب بالتراجع فوراً عن الاتفاق، معتبرين أن الصفقة “هدية لخصم أميركا، وخيانة لحلفائها”، وتوفير للسيولة المالية للرئيس فلاديمير بوتين لتصنيع المزيد من الأسلحة لاستخدامها في أوكرانيا.
لكن ما حصل من تفاهم بين الرئيسين الأميركي والروسي أحدث شرخاً في التحالف الغربي، حيث يمثّل الاتفاق طعنة مباشرة للدول الأوروبية. وقد عبّر قادة الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسهم مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، عن صدمتهم وغضبهم، مؤكدين أن تخفيف الضغط يمنح موسكو مكسباً سياسياً كبيراً ويموّل آلتها الحربية.
وكانت كالاس في بيروت قبل أيام، وأعلنت استكمال التحضيرات لإنشاء بعثة دعم أوروبية أمنية ودفاعية جديدة في لبنان، لتدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي ومساندتهما في مجالات أمن الحدود ومكافحة التهريب والأمن السيبراني. فهل ستسمح موسكو بهذا التمدد الأوروبي على الساحل الشرقي للمتوسط، والتدخل في شؤون لبنان وشجونه، في الوقت الذي تخوض فيه أشرس المعارك مع بروكسل، على خلفية دعم الاتحاد الأوروبي اللامحدود لكييف لمواجهة الجيش الروسي ودحره من أوكرانيا؟
الجواب واضح. يقف لبنان الرسمي عند مفترق محرج، وإن أبدى ترحيباً واسعاً بالمبادرة الأوروبية التي لم تكتمل مواصفاتها بعد!
والمسألة، من منظار موسكو، أبعد من لبنان. ينظر الكرملين إلى الشرق الأوسط من زاوية مصالحه، ومدى القدرة على تعزيزها وإعلاء شأنها، تماشياً مع التطورات المتسارعة والمتفاعلة على الخطين العسكري والدبلوماسي.
وبهذا المعنى، تبدو الساحة اللبنانية مهمة من منظار موسكو، كونها تشكّل مطلاً استشرافياً يشرف على كواليس وتضاريس دول المنطقة، ويرصد خلفياتها ومستجداتها.
يُقال إن بيروت استدركت هذا الأمر، ودفعت بوزير خارجيتها إلى زيارة موسكو، وقد فعل والتقى بمن التقى. ولكن هذا لا يكفي بنظر الملمّين بحساسية العلاقات، والمطلوب أن يتوجه رئيس الجمهورية جوزاف عون شخصياً إلى موسكو، إذا سمحت له الحسابات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية بذلك، ليتفاهم مع الرئيس بوتين مباشرة حول المقبول والمرفوض من الانتشار الأوروبي في لبنان، ومدى القدرة على حياكة عباءة المصالح المشتركة بإبرة واحدة!
ولا يعفي هذا التحرّك، الذي لا بدّ منه إذا ما تأمّنت ظروفه وإمكاناته، لبنان من تحمّل بعض التداعيات التي يُحدثها الزلزال الكبير، نتيجة الديزل الروسي الذي يحرّك محركات السياسة الأميركية في الداخل والخارج.
ووفق “الحاسوب الأميركي”، فإن الصفقة قد تسرّع الحل للأزمة الأوكرانية. ووصل الأمر بإدارة ترامب إلى ممارسة ضغوط قصوى على الرئيس الأوكراني، مهدّدة بقطع الدعم الاستخباراتي ومنع تسليح كييف، خصوصاً إذا ما واصلت ضرب المصافي الروسية. بل طالب الرئيس ترامب صراحة بتغيير الرئيس فولوديمير زيلينسكي واختيار رئيس جديد لأوكرانيا.
وترمق العين اليقظة الشرق الأوسط، وحجم “التسونامي” الذي قد تُحدثه الصفقة في مياه الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، في ظل الصراع المفتوح على كل الاحتمالات.
وهناك أسئلة في بيروت لا تزال من دون أجوبة، لأن عناصرها لم تكتمل بعد. وفي الطليعة: هل تسهّل طهران مهمة البعثة الأوروبية في لبنان إذا لم يتم التوصل إلى حل مشرّف وصفقة متوازنة مع كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”؟
هناك بوادر لا تزال خجولة توحي بأن تشمل صفقة الديزل مضائق الخليج، وتفضي إلى “صفقة ـ تسوية” تراعي مصالح الجميع، بعيداً عن خطاب الغلبة ومنطق “غالب ومغلوب”. لكن إذا لم يحصل ذلك، فإن على لبنان الرسمي التحسّب لاحتمالين:
الأول، أن إيران لن تسمح بتمدّد أوروبي في لبنان تحت أي مسمّى أو ذريعة، في ظل الأزمة الراهنة المفتوحة بينها وبين العديد من العواصم الأوروبية.
والثاني، رفض أي دور أوروبي يؤازر الحكومة اللبنانية في حصر السلاح، وفرض ترتيبات جديدة لـ”اليوم التالي” في الجنوب ولبنان، بعد أن تغادر قوات “اليونيفيل” شاطئ صور الذي تمدّدت على رماله عقوداً طويلة من الزمن!
يُقال إن اتصالاً هاتفياً جرى بين الرئيسين الأميركي والروسي، وكانت نتيجته الصفقة ـ الزلزال. فماذا لو اجتمعا وجهاً لوجه في قمة يجري التحضير لها راهناً، لاقتسام جغرافيات النفوذ في العالم؟!


